عدنان زرزور
17
مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه
الموصل إلى جنات النعيم ، والخير الدائم المقيم ) وقال في معنى الآية الثانية - 44 - ( أن القرآن شرف للنبيّ ولقومه . . . من حيث إنه نزل بلغتهم ، فهم أفهم الناس له فينبغي أن يكونوا أقوم الناس به وأعملهم بمقتضاه ) « 1 » . قلت : إن اللّه تعالى لم ينوع بين الأمم والشعوب ، ولم يميز بعضها عن بعض بميزات عقلية أو أدبية أو عملية إلا لتكمل البشرية بعضها بعضا لا ليفخر بعضها بذلك على بعض ، لأن الفخر بمثل هذه الأمور الفطرية التي لا حيلة للإنسان في كسبها أو دفعها - كاللون أو الجنس - لا يعدو أن يكون طورا من أطوار الطفولة أو المراهقة ، أو مرحلة من المراحل السابقة للرشد الإنساني ! ولقد كان يجب على الإنسانية أن تتجاوز تلك المراحل من حين نزل قول اللّه تعالى : وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا [ الحجرات : 13 ] لأن هذه الآية الكريمة تشير بعد ذلك إلى ميزان التفاضل الحقيقي ، وأنه ينبع من الأعمال الكسبية ، ومن الإرادة الحرة ، والعزيمة النافذة ، فيقول تعالى : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [ الحجرات : 13 ] . أي إن ميزان التفاضل لا ينبع من تلك الخصائص التي امتاز بها شعب من الشعوب أو أمة من الأمم ، لأن ذلك التفاضل أريد به التأكيد على وحدة المجتمع الإنساني وتعارفه ، لا تناكره واختلافه ! . . . كما أن لكل فضيلة ضريبتها أو تبعاتها وتكاليفها الخاصة بها ، أو التي تتناسب مع حجمها وطبيعتها ! قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « أشدّ الناس بلاء الأنبياء ، ثم الصالحون ، ثم الأمثل فالأمثل » « 2 » . ونحن لا نشك في أن خلاصة الفضائل الإنسانية ، أو مكارم الأخلاق التي جاء بها القرآن الكريم بوصفه كتاب الإنسانية الأخير الذي نزل به الوحي الأمين . . .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ، الجزء الرابع ، ص 128 ، دار المعرفة ، لبنان . ( 2 ) أخرجه الطبراني في الكبير بإسناد حسن . وابن ماجة والحاكم - وقال : على شرط مسلم - بزيادة : « لقد كان أحدهم يبتلى بالفقر . . . » إلخ الحديث بعد قوله : « ثم الصالحون » . فيض القدير للمناوي : 1 / 519 - 520 .