عدنان زرزور
15
مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه
وتكفينا هذه الإشارات القليلة لإدراك طرف من أسباب وصف اللسان العربي - في القرآن الكريم - بأنه ( مبين ) وأسباب مقابلته في الوقت نفسه باللسان الأعجمي ، الذي ينطبق على سائر الألسنة الأخرى ؛ قال تعالى في سورة النحل : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ( 103 ) [ الآية 103 ] . وقال في سورة الشعراء : وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 192 ) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ( 194 ) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ( 195 ) [ الآيات 192 - 195 ] . كما تكفينا هذه الإشارات لمعرفة السبب الذي نزل القرآن الكريم من أجله بلغة العرب ؛ فاللسان العربي المبين أو بوصفه لسانا مبينا ، هو أوفر الألسنة التي وزّعها اللّه تعالى على الشعوب والأقوام حظا لينزل به كتاب اللّه تعالى المعجز بلفظه ومعناه جميعا ؛ قال تعالى في سورة الأحقاف : وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ ( 12 ) [ الآية 12 ] . واللغة الشاعرة بحروفها ومفرداتها وإعرابها . . . إلخ هي أوفر لغات الأرض حظا لينزل بها هذا الكتاب الخالد . . . والذي أراد اللّه سبحانه أن يفوق - بإعجازه وشاعرية لغته - الشعر في وجازته وتأثيره ، ولحنه وموسيقاه ! فالتعبير القرآني كما هو معلوم ليس فيه قافية الشعر الموحدة ، ولا تفعيلاته التامة ، ولكن القرآن الكريم قابل للتلاوة ترتيلا وتجويدا ، وعلى النحو الذي يتسع للألحان والأوزان ، ففاق بذلك الشعر ، وكان نثرا من نوع فريد . . . حتى كان قابلا للحفظ عن ظهر قلب خلال شهور ، وربما خلال أسابيع ، ولا يدانيه في ذلك أي خطبة بليغة من خطب فصحاء العرب ، ولا أي نص من نصوص « النثر » الرفيعة في تاريخ الأدب العربي .
--> فليس بين أوزانها ومعانيها ارتباط على الإطلاق كالارتباط القياسي الذي يوجد في أوزان اللغة العربية التي اطردت على قياس واحد » .