عدنان زرزور
101
مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه
( الواقعية ) في هذه الأحكام والتشريعات ، بمعنى نفي الطوباوية عنها ، أو نفي المثالية التي ليست أكثر من رؤيا في عالم الخيال ، أو رسما على الورق أو في الفراغ ، كما فعل بعض الفلاسفة على سبيل المثال . وحين يتأمل المرء هذا القدر يجد أنه قام على بيان أحوال نابعة من طبيعة الإنسان ، أو « مفصّلة عليه » ، إن صح التعبير ، بغض النظر عن ملابسات الزمان والمكان والأشخاص ، أي أنه قدم نماذج إنسانية ، وصورة ما يجب أن تكون عليه هذه النماذج إلى يوم الدين . ومن هنا جاءت عبارة الأصوليين المشهورة : العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . وفي وسعنا أن نفهم سبب النزول - في ضوء هذه الملاحظات - على أنه المناسبة التي استدعت ظهور الحكم ، ووضعه موضع التطبيق ، أي بداية توقيت العمل به . . . في نسق هدم أوضاع الجاهلية ، وبناء أحكام الإسلام في النفس والمجتمع . . . يوما بعد يوم ، أو طيلة عصر التنزيل . وغني عن البيان أن أحداث السيرة ووقائع الجماعة الإسلامية الأولى - التي أشرنا إليها في النقطة الأولى السابقة - ليست داخلة في نطاق أسباب النزول بهذا المفهوم ، أو بمفهوم ( الواقع ) الذي قيل فيه ما قيل ! لأنها قضية تسجيلية في المقام الأول ، أقرب ما تكون إلى حديث القرآن الكريم عن تاريخ الأنبياء والأمم السابقين . وحين تناولت الآيات الكريمة من هذه الأحداث والوقائع جوانب أخرى متصلة بالواقع ، بالمعنى المشار إليه أو المتحدث عنه ، لم يأت هذا التناول استجابة للواقع أو تبريرا له ، ولكنه جاء - كما قلنا في هذه النقطة - تصحيحا وتقويما لحركة التطبيق والتنفيذ . بل يمكن القول إن أحداث السيرة بوصفها جزءا من ( التاريخ ) وأكبت الوحي ومشت في ركابه طيلة عصر التنزيل الذي نتحدث عنه كدليل على أن ( الوحي ) أو الثقافة بمعناها الشامل هي التي صنعت التاريخ وليس العكس . ولا يتسع المقام هنا لبسط القول في هذه النقطة التي توضح العلاقة بين