العلامة المجلسي
277
بحار الأنوار
ثم رقد هنيئة وانتبه مرعوبا ، وجعل يمسح وجهه بثوبه ، ونهض قائما على قدميه وهو يقول : " اللهم بارك لنا في لقائك " ويكثر من قول : " لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " ثم صلى حتى ذهب بعض الليل ، ثم جلس للتعقيب ، ثم نامت عيناه وهو جالس ، ثم انتبه من نومته مرعوبا . قالت أم كلثوم : كأني به وقد جمع أولاده وأهله وقال لهم : في هذا الشهر تفقدوني ، إني رأيت في هذه الليلة رؤيا هالتني وأريد أن أقصها عليكم ، قالوا : وما هي ؟ قال : إني رأيت الساعة رسول الله صلى الله عليه وآله في منامي وهو يقول لي : يا أبا الحسن إنك قادم إلينا عن قريب ، يجئ إليك أشقاها فيخضب شيبتك من دم رأسك ، وأنا والله مشتاق إليك ، وإنك عندنا في العشر الآخر من شهر رمضان ، فهلم إلينا فما عندنا خير لك وأبقى ، قال : فلما سمعوا كلامه ضجوا بالبكاء والنحيب وأبدوا العويل ، فأقسم عليهم بالسكوت فسكتوا ، ثم أقبل يوصيهم ويأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر ، قالت أم كلثوم : ولم يزل تلك الليلة قائما وقاعدا وراكعا وساجدا ، ثم يخرج ساعة بعد ساعة يقلب طرفه في السماء وينظر في الكواكب وهو يقول : والله ما كذبت ولا كذبت ، وإنها الليلة التي وعدت بها ، ثم يعود إلى مصلاه ويقول : اللهم بارك لي في الموت ، ويكثر من قول : " إنا لله وإنا إليه راجعون " " ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " ويصلي على النبي وآله ، ويستغفر الله كثيرا . قالت أم كلثوم : فلما رأيته في تلك الليلة قلقا متململا كثير الذكر والاستغفار أرقت معه ليلتي وقلت : يا أبتاه ما لي أراك هذه الليلة لا تذوق طعم الرقاد ؟ قال : يا بنية إن أباك قتل الابطال وخاض الأهوال وما دخل الخوف له جوف ( 1 ) ، وما دخل في قلبي رعب أكثر مما دخل في هذه الليلة ، ثم قال : إنا لله وإنا إليه راجعون فقلت : يا أباه مالك تنعي نفسك منذ الليلة ؟ قال : يا بنية قد قرب الاجل وانقطع الامل ، قالت أم كلثوم : فبكيت فقال لي : يا بنية لا تبكين فإني لم أقل ذلك إلا
--> ( 1 ) الظاهر كما في " ت وهامش " ك " : وما دخل له خوف .