العلامة المجلسي
272
بحار الأنوار
فيه أن تدخل علينا من غير مانع ولا دافع ، فكان يتردد إليه إلى ليلة تسع عشرة وكان قد عرف المكان الذي يصلي فيه معاوية ، فلما أذن المؤذن للفجر وأتى معاوية المسجد ودخل محرابه ثار إليه بالسيف وضربه ، فراغ عنه ، فأراد ضرب عنقه فانصاع عنه ( 1 ) فوقع السيف في أليته ، وكانت ضربته ضربة جبان ، فقال معاوية : لا يفوتنكم الرجل ، فاستخلف بعض أصحابه للصلاة ، ونهض إلى داره . وأما العنبري فأخذه الناس وأوثقوه وأتوا به إلى معاوية وكان مغشيا عليه ، فلما أفاق قال له : ويلك يا لكع لقد خاب ظني فيك ، ما الذي حملك على هذا ؟ فقال له : دعني من كلامك اعلم أننا ثلاثة تحالفنا على قتلك وقتل عمرو بن العاص وعلي بن أبي طالب ، فإن صدق صاحباي فقد قتل علي وعمرو ، وأما أنت فقد روغ أجلك كروغك الثعلب ( 2 ) ! فقال له معاوية : على رغم أنفك ! فأمر به إلى الحبس ، فأتاه الساعدي وكان طبيبا فلما نظر إليه قال له : اختر إحدى الخصلتين : إما أن أحمي حديدة فأضعها موضع السيف ، وإما أن أسقيك شربة تقطع منك الولد وتبرأ منها ، لان ضربتك مسمومة فقال معاوية : أما النار فلا صبر لي عليها ، وأما انقطاع الولد فإن في يزيد وعبد الله ما تقر به عيني ! فسقاه الشربة فبرئ ولم يولد له بعدها . وأما ابن ملجم لعنه الله فإنه سار حتى دخل الكوفة ، واجتاز على الجامع وكان أمير المؤمنين عليه السلام جالسا على باب كندة ، فلم يدخله ولم يسلم عليه ، وكان إلى جانبه الحسن والحسين عليهما السلام ، ومعه جماعة من أصحابه ، فلما نظروا إلى ابن ملجم وعبوره قالوا : ألا ترى إلى ابن ملجم عبر ولم يسلم عليك ؟ قال : دعوه فإن له شأنا من الشأن ، والله ليخضبن هذه من هذه - وأشار إلى لحيته وهامته - ثم قال : ما من الموت لإنسان نجاء * كل امرئ لا بد يأتيه الفناء تبارك الله وسبحانه * لكل شئ مدة وانتهاء
--> ( 1 ) أي رجع مسرعا . ( 2 ) راغ الصيد : ذهب ههنا وههنا . راغ عن الطريق : حاد عنه .