العلامة المجلسي

263

بحار الأنوار

رجلا لم يصنع بي شيئا ؟ فلما انصرف عليه السلام إلى منزله اجتمعت الشيعة وأخبر بعضهم بعضا بما سمعوا وقالوا : إن أمير المؤمنين عليه السلام يغلس إلى الجامع ( 1 ) وقد سمعتم خطابه لهذا المرادي وهو ما يقول إلا حقا ، وقد علمتم عدله وإشفاقه علينا ، ونخاف أن يغتاله هذا المرادي ، فتعالوا نقترع على أن نحوطه كل ليلة منا قبيلة ، فرقعت القرعة في الليلة الأولى والثانية والثالثة على أهل الكناس ، فتقلدوا سيوفهم وأقبلوا في ليلتهم إلى الجامع ، فلما خرج عليه السلام رآهم على تلك الحالة ، فقال : ما شأنكم ؟ فأخبروه فدعا لهم وتبسم ضاحكا وقال : جئتم تحفظوني من أهل السماء أم من أهل الأرض ؟ قالوا : من أهل الأرض ، قال : ما يكون شئ في السماء إلا هو في الأرض ، وما يكون من شئ في الأرض إلا هو في السماء ، ثم تلا " قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ( 2 ) " ثم أمر هم أن يأتوا منازلهم ولا يعودوا لمثلها ، ثم إنه صعد المأذنة وكان إذا تنحنح يقول السامع : ما أشبهه بصوت رسول الله صلى الله عليه وآله ! فتأهب الناس لصلاة الفجر ، وكان إذا أذن يصل صوته إلى نواحي الكوفة كلها ، ثم نزل فصلى ، وكانت هذه عادته . قال : وأقام ابن ملجم بالكوفة إلى أن خرج أمير المؤمنين عليه السلام إلى غزاة النهروان ، فخرج ابن ملجم معه وقاتل بين يديه قتالا شديدا ، فلما رجع إلى الكوفة وقد فتح الله على يديه قال ابن ملجم لعنه الله : يا أمير المؤمنين أتأذن لي أن أتقدمك إلى المصر لأبشر أهله بما فتح الله عليك من النصر ؟ فقال له : ما ترجو بذلك ؟ قال : الثواب من الله والشكر من الناس ، وافرح الأولياء واكمد الأعداء ، فقال له : شأنك ، ثم أمر له بخلعة سنية وعمامتين وفرسين وسيفين ورمحين ، فسار ابن ملجم ودخل الكوفة ، وجعل يخترق أزقتها وشوارعها وهو يبشر الناس بما فتح الله على أمير المؤمنين عليه السلام وقد دخله ( 3 ) العجب في نفسه ، فانتهى به الطريق إلى

--> ( 1 ) الغلس : ظلمة آخر الليل أي يذهب إلى الجامع آخر الليل للعبادة والتهجد . ( 2 ) سورة التوبة : 51 . ( 3 ) في ( م ) و ( خ ) : وقد دخل .