أبي داود سليمان بن نجاح
49
مختصر التبيين لهجاء التنزيل
وقد اشتكاه الناس إلى أميرهم ، فجمعهم وإياه ، واحتجوا عليه بأنه قد خالف نص الآية الكريمة : وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطّه بيمينك إذا لّارتاب المبطلون 48 بل هو آيات بيّنات في صدور الّذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلّا الظّالمون 49 « 1 » . فاستظهر عليهم بما لديه من المعرفة ، وقال للأمير : « هذا لا ينافي القرآن ، بل يؤخذ من مفهوم القرآن ، لأنه قيد النفي بما قبل ورود القرآن . وأما بعد أن تحققت أميته ، وتقررت بذلك معجزته وأمن الارتياب في ذلك ، فلا مانع من أن يعرف الكتابة من غير معلم ، فتكون معجزة أخرى له ، ولا يخرج بذلك عن كونه أميا » « 2 » . فالأمي يجوز أن يكتب بعد أميته ، والله سبحانه وتعالى قد أطلق يد رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم بالكتابة في تلك الساعة معجزة له . ونزولا عند رغبة الباجي كتب أمير دانية في المسألة إلى شيوخ إفريقية وصقلية ، فجاءت الأجوبة من هناك بتصديقه وتصويب وجهة نظره ، وتسويغ تأويله ، والثناء عليه ، مع إنكار تهجم المتهجمين عليه . وقد ناصر قوم ما ذهب إليه الباجي ، واحتجوا له بما أخرجه ابن أبي شيبة ، وعمر بن شبة من طريق مجاهد عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبيه ، قال : « ما مات رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم حتى كتب وقرأ » قال مجاهد : فذكرته للشعبي ، فقال : صدق ، قد سمعت من يذكر ذلك .
--> ( 1 ) العنكبوت : الآيات 48 - 49 . ( 2 ) انظر : فتح الباري 9 / 44 .