غانم قدوري الحمد
92
محاضرات في علوم القرآن
التعليم في الصغر أشد رسوخا ، وهو أصل لما بعده ، لأن السابق الأول للقلوب كالأساس للملكات ، وعلى حسب الأساس وأساليبه يكون حال ما ينبني عليه » « 1 » . إن تتبّع ما ورد في القرآن والأحاديث النبوية عن قراءة القرآن ، وما تضمنته سيرة السلف من تعلق بالقراءة وحرص عليها يوضح جوانب من الأهداف والغايات التي تتحقق من قراءة القرآن ، والتي تتمثل في كون القراءة وسيلة من وسائل الدعوة ، وكونها عبادة تزكو بها النفوس ، وهي أيضا أساس للفقه والعمل . 1 - قراءة القرآن وسيلة من وسائل الدعوة : إن تلاوة القرآن كانت من وسائل الدعوة إلى الإسلام ، فكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يلقى الناس في المواسم ، فكان يدعوهم إلى الإسلام ويقرأ عليهم القرآن « 2 » . وكان تأثير القرآن في نفوس سامعيه عظيما ، على نحو ما كان من موقف النفر الذين لقيهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في العقبة ، وكانوا من الخزرج ، فدعاهم إلى اللّه ، عز وجل ، وعرض عليهم الإسلام ، وتلا عليهم القرآن ، فأجابوه إلى ما دعاهم إليه ، وصدّقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام « 3 » . فكان إسلامهم فتحا عظيما في تاريخ الدعوة . وكان المشركون قد أحسّوا بتأثير قراءة القرآن واجتذابها النفوس إلى الدعوة الجديدة ، فتنادوا بينهم : لا تسمعوا لهذا القرآن ، كما حكى القرآن قولهم : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ( 26 ) [ فصلت ] ، ولكن اللّه تعالى خيّب آمالهم ، وأخذ القرآن طريقه إلى القلوب « 4 » .
--> ( 1 ) مقدمة ابن خلدون ص 537 . ( 2 ) ابن هشام : السيرة النبوية 1 / 383 و 391 . ( 3 ) المصدر نفسه 1 / 429 . ( 4 ) ينظر : الطبري : جامع البيان 24 / 112 .