غانم قدوري الحمد

43

محاضرات في علوم القرآن

بعث اللّه تعالى نبيه صلى اللّه عليه وسلم فكان لكل قبيلة أو مدينة لهجة تميزت بها « 1 » ، لكن التباين بين تلك اللهجات لم يكن يحول بينهم وبين التواصل والتفاهم ، وقد وردت نصوص تؤكد أن القرآن الكريم نزل بلغة قريش خاصة ، وهم قوم النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وسكان مكة وما حولها . منها ما رواه البخاري أن عثمان بن عفان قال لكتّاب المصاحف : « إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في عربية من عربية القرآن ، فاكتبوها بلسان قريش ، فإن القرآن أنزل بلسانهم » « 2 » . ومنها رسالة عمر بن الخطاب إلى عبد اللّه بن مسعود حين بلغه أنه يعلّم الناس القرآن في الكوفة بلغة هذيل وهي : « أما بعد ، فإن اللّه تعالى أنزل القرآن بلغة قريش ، فإذا أتاك كتابي هذا فأقرئ الناس بلغة قريش ، ولا تقرئهم بلغة هذيل » « 3 » . وقد قال مجاهد بن جبر المكي المفسر المشهور ، وأشهر تلامذة ابن عباس ، في تفسير قوله تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ ( 4 ) [ إبراهيم ] : نزل القرآن بلسان قريش « 4 » . وقد حاز القرآن الكريم أعلى درجات البلاغة وأصفى صور الفصاحة ، فأعجز البلغاء وبهر الفصحاء ، فهو وإن كان بلغة العرب فإنه كلام رب العالمين ، وهو معجزة خاتم الأنبياء والمرسلين ، وهو مع ذلك ميسّر ، قال اللّه تعالى : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 17 ) [ القمر ] ، وأكدت هذا المعنى آيتان أخريان هما قوله تعالى : فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا ( 97 ) [ مريم ] ، وقوله : فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 58 ) [ الدخان ] . قال الطبري في تفسير قوله يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ : « فإنما سهّلنا قراءة هذا القرآن الذي أنزلناه إليك يا محمد بلسانك ليتذكر هؤلاء المشركون الذين أرسلناك إليهم بعبره

--> ( 1 ) ينظر : أبو شامة : المرشد الوجيز ص 128 . ( 2 ) البخاري : الجامع الصحيح 6 / 224 ، وينظر : ابن النديم : الفهرست ص 27 . ( 3 ) ينظر : أبو شامة : المرشد الوجيز ص 101 ، وابن حجر : فتح الباري 9 / 27 . ( 4 ) السيوطي : الدر المنثور 5 / 5 .