غانم قدوري الحمد

31

محاضرات في علوم القرآن

وقال أبو شامة المقدسي : إنه لا منافاة بين الآيات الثلاث ، فليلة القدر هي الليلة المباركة ، وهي في شهر رمضان « 1 » . ثم قال : « إن أول ما نزل على النبي صلى اللّه عليه وسلم اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) وذلك بحراء عند ابتداء نبوته ، ويجوز أن يكون قوله أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ( 185 ) [ البقرة ] إشارة إلى كل ذلك ، وهو كونه أنزل جملة إلى السماء الدنيا ، وأول نزوله إلى الأرض ، وعرضه وإحكامه ، في شهر رمضان ، فقويت ملابسة شهر رمضان للقرآن إنزالا جملة وتفصيلا وعرضا وإحكاما ، فلم يكن شيء من الأزمان تحقق له من الظرفية للقرآن ما تحقق لشهر رمضان ، فلمجموع هذه المعاني قيل أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ » « 2 » . ولا شك في أن نزول القرآن جملة إلى السماء الدنيا هو من أمر الغيب الذي تتوقف معرفته على ورود نص في القرآن أو الحديث يبينه ، ولكن قول الصحابي في الأمور التي ليست موضع اجتهاد ، إذا ثبت ، حكمه حكم الحديث المرفوع ، وهو ما ينطبق على تفسير ابن عباس هنا ، فقد نص السيوطي على صحة أسانيد الأحاديث التي نقلت ذلك التفسير عن ابن عباس « 3 » . فمن المرجح أن يكون ابن عباس قد فهم التفسير من النبي صلى اللّه عليه وسلم . على أن مما يجب الالتفات إليه في موضوع نزول القرآن هو أن هذا الاختلاف في تفسير هذه الآيات لا يؤثر في شيء على نص القرآن الكريم ، فسواء ثبت ما نقل عن ابن عباس أو ما روي عن عامر الشعبي فنص القرآن واحد في كلا القولين ، وهما يؤولان إلى نتيجة واحدة وهي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم تلقى القرآن مفرقا في ثلاث وعشرين سنة ، لكن العلماء قالوا إن في إنزاله جملة إلى السماء الدنيا « تفخيم لأمره وأمر من أنزل عليه ، وذلك بإعلام سكان السماوات السبع أن هذا

--> ( 1 ) المرشد الوجيز ص 9 . ( 2 ) المصدر نفسه ص 24 . ( 3 ) الاتقان 1 / 117 .