غانم قدوري الحمد
29
محاضرات في علوم القرآن
قالت العرب : « نجّمت المال ، إذا أدّيته نجوما . . . وقد جعل فلان ماله على فلان نجوما معدودة يؤدي عند انقضاء كل شهر منها نجما ، وقد نجّمها عليه تنجيما » « 1 » . قال أبو شامة المقدسي : « فلما قطّع الله سبحانه القرآن وأنزله مفرقا قيل لتفاريقه نجوم » « 2 » . وأثار المشركون مسألة نزول القرآن منجما في سلسلة معارضتهم الباطلة للنبي صلى اللّه عليه وسلم وتمنوا نزول القرآن جملة واحدة ، على نحو ما حكى القرآن في قوله تعالى : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا ( 32 ) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً ( 33 ) [ الفرقان ] . وللعلماء والمفسرين تحقيقات في الجهة التي ينزل منها جبريل عليه السّلام بالقرآن على النبي صلى اللّه عليه وسلم وهذه قضية تستند أساسا إلى ما ورد عنها في القرآن الكريم ، ويعتقد العلماء أن القرآن مثبت عند اللّه تعالى في أم الكتاب ، في اللوح المحفوظ ، مستندين في ذلك إلى قوله تعالى : حم ( 1 ) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ ( 2 ) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 3 ) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ( 4 ) [ الزخرف ] ، وقوله تعالى : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ( 21 ) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ( 22 ) [ البروج ] . قال المفسرون : إن القرآن مثبت عند اللّه سبحانه في اللوح المحفوظ ، وسمّي أمّ الكتاب لأنه الأصل الذي أثبتت فيه الكتب السماوية « 3 » . وقد حمل بعض المفسرين قوله تعالى : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ( 77 ) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ ( 78 ) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ( 79 ) [ الواقعة ] على اللوح المحفوظ ، والمطهرون الملائكة « 4 » .
--> ( 1 ) ابن منظور : لسان العرب 16 / 47 نجم . ( 2 ) المرشد الوجيز ص 18 . ( 3 ) ينظر : الطبري : جامع البيان 25 / 48 و 30 / 140 ، والنسفي : مدرك التنزيل 4 / 113 ، والبيضاوي : أنوار التنزيل 2 / 368 . ( 4 ) ينظر : الطبري : جامع البيان 27 / 203 .