غانم قدوري الحمد

24

محاضرات في علوم القرآن

ويؤكد هذا الحديث أن للوحي صورتين ، لكن يجب ملاحظة تأكيد النبي صلى اللّه عليه وسلم على وعيه لما يلقيه إليه الملك في كلتا الصورتين ، فهو يتلقاه بقلبه وينطبع في عقله ، وقد قال اللّه تعالى : وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 192 ) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ( 194 ) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ( 195 ) [ الشعراء ] . وأما الجانب الظاهر المتعلق بآثار الوحي المحسوسة فقد تحدث عنها الصحابة ، رضوان اللّه عليهم ، ونقلوها إلى أجيال الأمة ، وأول ما لاحظوا أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يعاني من التنزيل شدّة ، فقد نقل مسلم بن الحجاج في صحيحه عن عبادة بن الصامت أنه قال : « كان نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذ أنزل عليه كرب لذلك » « 1 » . وأنه إذا أنزل عليه الوحي أخذته البرحاء - كما روى البخاري « 2 » - والبرحاء شدّة الحمّى ، وهي هنا شدّة الكرب من ثقل الوحي « 3 » . وقد لاحظ الصحابة تصبب العرق من جبينه ، قالت السيدة عائشة ، رضي اللّه عنها : « ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه ، وإن جبينه ليتفصّد عرقا » « 4 » . وكانت تلك الشّدّة المصاحبة للوحي التي تغشى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يمتد تأثيرها إلى ما يتصل به أو يلامسه ، فها هم الصحابة يشهدون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوحى إليه وهو على ناقته ، فتغشى الناقة تلك الشدة ، كما روى ابن سعد عن أبي أروى الدّوسي ، قال : « رأيت الوحي ينزل على النبي صلى اللّه عليه وسلم وإنه على راحلته ، فترغو وتفتل يديها ، حتى أظن أن ذراعها ينقصم ، فربما بركت ، وربما قامت موتّدة يديها ، حتى يسرّى عنه من ثقل الوحي ، وأنه ليتحدّر منه مثل الجمان » « 5 » .

--> ( 1 ) صحيح مسلم بشرح النووي 11 / 190 ، والبيهقي : دلائل النبوة 7 / 54 . ( 2 ) ينظر : ابن حجر : فتح الباري 5 / 272 . ( 3 ) ابن الأثير : النهاية 1 / 113 ، وابن منظور : لسان العرب 3 / 233 ( برح ) . ( 4 ) صحيح البخاري 1 / 4 . ( 5 ) الطبقات الكبرى 1 / 197 ، وينظر : البيهقي : دلائل النبوة 7 / 53 . وقال الصحابي عبد اللّه .