غانم قدوري الحمد
21
محاضرات في علوم القرآن
قال الحافظ ابن حجر : « وفتور الوحي عبارة عن تأخره مدة من الزمان ، وكان ذلك ليذهب ما كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وجده من الرّوع ، وليحصل له التشوّف إلى العود . . . » « 1 » . وقد أيقن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعد هذا كله أن اللّه تعالى قد اختاره رسولا ، وصار يتلقى القرآن عن طريق جبريل فحمل أعباء الرسالة وأخذ يدعو إليها واستمر جهاده ثلاثا وعشرين سنة اكتمل خلالها نزول القرآن ، وترسخت الدعوة والعقيدة في أرجاء الجزيرة العربية ، قبل وفاته صلى اللّه عليه وسلم « 2 » .
--> ( 1 ) فتح الباري 1 / 27 . ( 2 ) ذهب عدد من المؤلفين في علوم القرآن في عصرنا إلى أن مدة فتور الوحي كانت ثلاث سنين ، معتمدين في ذلك على رواية عن عامر الشعبي أحد علماء التابعين ( ت 103 ه ) ( ينظر : محمد رشيد رضا : الوحي المحمدي ص 125 ، ومحمد عبد اللّه دراز : مدخل إلى القرآن الكريم ص 30 ، وصبحي الصالح : مباحث في علوم القرآن ص 36 ، ومالك بن نبي : الظاهرة القرآنية ص 185 ) . والذي يبدو راجحا هو أن فتور الوحي لم يمتد ثلاث سنوات للأسباب الآتية : 1 - إن الرواية المنقولة عن عامر الشعبي لا تتحدث عن فتور الوحي أولا ، وهي رواية غير موثوقة عند أهل العلم ثانيا ، وجاء فيها « بعث لأربعين ، ووكّل به إسرافيل ثلاث سنين ، ثم وكّل به جبريل » ( ينظر : ابن حجر : فتح الباري 1 / 27 ) . وقال ابن سعد في شأن هذه الرواية : « فذكرت هذا الحديث لمحمد بن عمر ( يعني الواقدي شيخه ) فقال : ليس يعرف أهل العلم ببلدنا أن إسرافيل قرن بالنبي صلى اللّه عليه وسلم وأنّ علماءهم وأهل السيرة منهم يقولون : لم يقرن به غير جبريل من حين أنزل عليه الوحي إلى أن قبض صلى اللّه عليه وسلم » ( الطبقات الكبرى 1 / 191 ) . 2 - إن ما ورد في روايات فتور الوحي لا يحدد المدة التي كانت بين نزول أول سورة العلق ونزول أول سورة المدثر ، ويبدو أنها لم تطل كثيرا ، ففي رواية البخاري « وفتر الوحي فترة ، حتى حزن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم » ( صحيح البخاري 6 / 215 ) ، وفي طبقات ابن سعد « لما نزل الوحي بحراء مكث أياما لا يرى جبريل ، فحزن حزنا شديدا » ( الطبقات الكبرى 1 / 196 ) ، وفي السيرة النبوية لابن هشام « قال ابن إسحاق : ثم فتر الوحي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فترة من ذلك ، حتى شق ذلك عليه فأحزنه » ( السيرة النبوية 1 / 241 ) .