غانم قدوري الحمد
17
محاضرات في علوم القرآن
وما رئي ملاحيا ولا مماريا أحدا ، حتى سماه قومه الأمين ، لما جمع اللّه له من الأمور الصالحة ، فقد كان الغالب عليه بمكة الأمين » « 1 » . وفي السنة التي بلغ فيها النبي صلى اللّه عليه وسلم الأربعين من عمره بدأ تحول كبير في حياته لم يكن قد تهيأ له من قبل ، لكن العناية الإلهية كانت ترعى ذلك التحول وتوجهه نحو النبوة الكاملة التي تنكشف فيها حجب الغيب ، ويتنزل الوحي بالقرآن عليه . وكانت أولى مظاهر ذلك التحول أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال لخديجة ، رضي اللّه عنها : « إني أرى ضوءا وأسمع صوتا » « 2 » . وتتابعت إرهاصات النبوة التي انتهت باللقاء الأول بين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والملك جبريل عليه السّلام الذي حمل الرسالة إليه . وتقدّم الروايات التاريخية والأحاديث الصحيحة وصفا لبدء نزول القرآن على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ونقل البخاري في كتابه الجامع الصحيح ، كما جاء في غيره من المصادر المعتمدة تفاصيل ذلك الحدث العظيم عن عائشة ، رضي اللّه عنها ، حيث قالت « 3 » : « كان أوّل ما بدئ به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة ( أو الصالحة ) في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح . قالت : فمكث على ذلك ما شاء اللّه ، وحبّب إليه الخلوة ، فلم يكن شيء أحبّ إليه منها ، وكان يخلو بغار حراء « 4 » فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد ، قبل أن يرجع إلى أهله فيتزود لمثلها ، حتى فجئه الحق وهو في غار حراء .
--> ( 1 ) الطبقات الكبرى 1 / 121 . ( 2 ) رواه الإمام أحمد في المسند ( 1 / 312 ) عن ابن عباس ، وينظر : الهيثمي : مجمع الزوائد 8 / 255 . ( 3 ) البخاري : الجامع الصحيح 1 / 5 . وينظر : ابن سعد : الطبقات الكبرى 1 / 194 ، وابن هشام : السيرة النبوية 1 / 234 ، وعبد الرزاق : المصنف 5 / 321 ، وصحيح مسلم بشرح النووي 2 / 197 . ( 4 ) حراء : بالمد وكسر الحاء ، جبل من جبال مكة على ثلاثة أميال منها ، في أعلاه قمة شامخة ، وفيه الغار الذي كان يأوي إليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .