مناع القطان

98

مباحث في علوم القرآن

ولا يعني هذا أن يلتمس المفسر لكل آية مناسبة ، فإن القرآن الكريم نزل منجما حسب الوقائع والأحداث ، وقد يدرك المفسر ارتباط آياته وقد لا يدركها ، فلا ينبغي أن يعتسف المناسبة اعتسافا ، وإلا كانت تكلفا ممقوتا ، قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام « 1 » : « المناسبة علم حسن ، ولكن يشترط في حسن ارتباط الكلام أن يقع في أمر متحد مرتبط أوله بآخره ، فإن وقع على أسباب مختلفة لم يشترط فيه ارتباط أحدهما بالآخر » . ثم قال : « ومن ربط بين ذلك فهو متكلف بما لا يقدر عليه إلا برباط ركيك يصان عنه حسن الحديث فضلا عن أحسنه ، فإن القرآن نزل في نيّف وعشرين سنة في أحكام مختلفة ، ولأسباب مختلفة ، وما كان كذلك لا يتأتى ربط بعضه ببعض » . وقد عني بعض المفسرين ببيان المناسبة بين الجمل ، أو بين الآيات ، أو بين السور « 2 » واستنبطوا وجوه ارتباط دقيقة . فالجملة قد تكون تأكيدا لما قبلها ، أو بيانا ، أو تفسيرا ، أو اعتراضا تذييليا - ولهذا أمثلته الكثيرة . وللآية تعلقها بما قبلها على وجه من وجوه الارتباط يجمع بينهما ، كالمقابلة بين صفات المؤمنين وصفات المشركين ، ووعيد هؤلاء ووعد أولئك ، وذكر آيات الرحمة بعد آيات العذاب ، وآيات الترغيب بعد آيات الترهيب ، وآيات التوحيد والتنزيه بعد الآيات الكونية ، وهكذا . . . وقد تكون المناسبة في مراعاة حال المخاطبين كقوله تعالى ( أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ، وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ، وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ 17 - 20 - الغاشية ) فجمع بين الإبل والسماء والجبال مراعاة لما جرى عليه الإلف والعادة بالنسبة إلى المخاطبين في البادية ، حيث يعتمدون في معايشهم على الإبل ، فتنصرف عنايتهم إليها ، ولا

--> ( 1 ) هو عبد العزيز بن عبد السلام المشهور بالعز كان عالما مجاهدا ورعا ، توفي سنة 660 ه . ( 2 ) وجه الارتباط بين السور مبني على أن ترتيب السور توقيفي ، وقد اختلف العلماء في ذلك كما سيأتي .