مناع القطان
94
مباحث في علوم القرآن
وكذلك نزل بمكة ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ 45 - القمر ) قال عمر ابن الخطاب : كنت لا أدري : أي الجمع يهزم ؟ فلما كان يوم بدر رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : ( سيهزم الجمع ويولون الدبر ) . فأنت ترى فيما ذكره صاحب البرهان أن صيغة سبب النزول محتملة للسببية ولما تضمنته الآية من الأحكام « روى البيهقي بسنده إلى ابن عمر أنها نزلت في زكاة رمضان » والآيات التي ذكرها مجملة تحتمل أكثر من معنى ، أو جاءت بصيغة الإخبار عما يحدث في المستقبل ( سيهزم الجمع ويولون الدبر ) . تعدد ما نزل في شخص واحد قد يحدث لشخص واحد من الصحابة أكثر من واقعة ، ويتنزل القرآن بشأن كل واقعة منها ، فيتعدد ما نزل بشأنه بتعدد الوقائع ، ومثاله : ما رواه البخاري في كتاب « الأدب المفرد » في بر الوالدين عن سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه قال : « نزلت في أربع آيات من كتاب اللّه عز وجل : كانت أمي حلفت ألا تأكل ولا تشرب ، حتى أفارق محمدا صلّى اللّه عليه وسلم ، فأنزل اللّه تعالى : ( وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً 15 - لقمان ) والثانية : أني كنت أخذت سيفا فأعجبني ، فقلت : يا رسول اللّه ، هب لي هذا السيف ، فنزلت : ( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ 1 - الأنفال ) والثالثة : أني كنت مرضت فأتاني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقلت : يا رسول اللّه ، إني أريد أن أقسم ما لي ، أفأوصي بالنصف ؟ فقال لا ، فقلت : الثلث ، فسكت ، فكان الثلث بعد جائزا « 1 » ، والرابعة : أني شربت الخمر مع قوم من الأنصار ، فضرب رجل منهم أنفي بلحي جمل ، فأتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأنزل اللّه عز وجل تحريم الخمر » ويعتبر من هذا القبيل موافقات عمر رضي اللّه عنه ، فقد نزل الوحي موافقا لرأيه في عدة آيات .
--> ( 1 ) نزل في الوصية قوله تعالى ( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ 180 - البقرة ) ولم يأت التصريح بنزول الآية في نص الحديث