مناع القطان
91
مباحث في علوم القرآن
ومن أمثلته كذلك ما روي عن أبي هريرة « أن النبي صلى اللّه عليه وسلم وقف على حمزة حين استشهد وقد مثل به ، فقال : لأمثلن بسبعين منهم مكانك ، فنزل جبريل والنبي صلى اللّه عليه وسلم واقف بخواتيم سورة النحل ( وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ . . . ) إلى آخر السورة « 1 » » « 2 » فهذا يدل على نزولها يوم أحد . وجاء في رواية أخرى أنها نزلت يوم فتح مكة « 3 » ، والسورة مكية ، فجمع بين ذلك ، بأنها نزلت بمكة قبل الهجرة مع السورة ، ثم بأحد ، ثم يوم الفتح ، ولا مانع من ذلك لما فيه من التذكير بنعمة اللّه على عباده واستحضار شريعته ، قال الزركشي في البرهان : « وقد ينزل الشيء مرتين تعظيما لشأنه ، وتذكيرا عند حدوث سببه خوف نسيانه ، كما قيل في الفاتحة ، نزلت مرتين : مرة بمكة ، وأخرى بالمدينة » . هذا ما يذكره علماء الفن في تعدد النزول وتكرره ، ولا أرى لهذا الرأي وجها مستساغا ، حيث لا تتضح الحكمة من تكرار النزول . وإنما أرى أن الروايات المتعددة في سبب النزول ولا يمكن الجمع بينها يتأتى فيها الترجيح . فالروايات الواردة في سبب نزول قوله تعالى ( ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ . . . الآية 113 - التوبة ) ترجح فيها الرواية الأولى على الروايتين الأخيرتين ، لأنها وردت في الصحيحين دونهما ، وحسبك برواية الشيخين قوة . فالراجح أن الآية نزلت في أبي طالب . وكذلك الشأن في الروايات التي وردت في سبب نزول خواتيم سورة النحل ، فإنها ليست في درجة سواء . والأخذ بأرجحها أولى من القول بتعدد النزول وتكرره .
--> ( 1 ) الآيات 126 - 128 - النحل . ( 2 ) أخرجه البيهقي والبزاز عن أبي هريرة . ( 3 ) أخرجها الترمذي والحاكم عن أبي بن كعب .