مناع القطان
89
مباحث في علوم القرآن
( قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ) « 1 » » وقد أخرج الترمذي وصححه عن ابن عباس قال : « قالت قريش لليهود : أعطونا شيئا نسأل عنه هذا الرجل ، فقالوا : اسألوه عن الروح ، فسألوه فأنزل اللّه ( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) الآية » فهذه الرواية تقتضي أنها نزلت بمكة حيث كانت قريش . والرواية الأولى تقتضي أنها نزلت بالمدينة ، وترجح الرواية الأولى لحضور ابن مسعود القصة . ثم لما عليه الأمة من تلقي صحيح البخاري بالقبول وترجيحه على ما صح في غيره . وقد اعتبر « الزركشي » هذا المثال من باب تعدد النزول وتكرره « 2 » ، فتكون هذه الآية قد نزلت مرتين : مرة بمكة ، ومرة بالمدينة ، واستند في ذلك إلى أن سورة « سبحان » مكية بالاتفاق . وإني أرى أن كون السورة مكية لا ينفى أن تكون آية منها أو أكثر مدنية ، وما أخرجه البخاري عن ابن مسعود يدل على أن هذه الآية ( قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا 85 - الإسراء ) مدنية ، فالوجه الذي اخترناه من ترجيح رواية ابن مسعود على رواية الترمذي عن ابن عباس أولى من حمل الآية على تعدد النزول وتكرره . ولو صح أن الآية مكية وقد نزلت جوابا عن سؤال فان تكرار السؤال نفسه بالمدينة لا يقتضي نزول الوحي بالجواب نفسه مرة أخرى ، بل يقتضي أن يجيب الرسول صلّى اللّه عليه وسلم بالجواب الذي نزل عليه من قبل . ه - إذا تساوت الروايات في الترجيح جمع بينها إن أمكن ، فتكون الآية قد نزلت بعد السببين أو الأسباب لتقارب الزمن بينها ، كآيات اللعان ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ . . . الآيات 6 - 9 - النور ) فقد أخرج البخاري والترمذي وابن ماجة عن ابن عباس أنها نزلت في هلال بن أمية ، قذف امرأته عند النبي صلى اللّه عليه وسلم بشريك بن سحماء ، كما ذكرنا من قبل « 3 » .
--> ( 1 ) الآية ( 85 ) الإسراء . ( 2 ) انظر « البرهان » صفحة 30 ج 1 . ( 3 ) انظر صفحة ( 70 ) العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب