مناع القطان

68

مباحث في علوم القرآن

( يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ) فعلم بذلك أن ( اقْرَأْ ) أول ما نزل مطلقا ، وأن سورة المدثر بعده » . وكذلك قال ابن حبان في صحيحه : لا تضاد بين الحديثين ، بل أول ما نزل ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ) بغار حراء ، فلما رجع إلى خديجة رضي اللّه عنها وصبت عليه الماء البارد ، أنزل اللّه عليه في بيت خديجة : ( يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ) فظهر أنه لما نزل عليه ( اقْرَأْ ) رجع فتدثر ، فأنزل عليه ( يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ) . وقيل : أول ما نزل سورة الفاتحة ، روى ذلك من طريق أبي إسحاق عن أبي ميسرة قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذا سمع الصوت انطلق هاربا ، وذكر نزول الملك عليه وقوله قل : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) إلى آخرها . وقال القاضي أبو بكر في « الانتصار » : وهذا الخبر منقطع ، وأثبت الأقاويل ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ) ويليه في القوة ( يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ) وطريق الجمع بين الأقاويل أن أول ما نزل من الآيات ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ) وأول ما نزل من أوامر التبليغ ( يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ) وأول ما نزل من السور سورة الفاتحة ، وهذا كما ورد في الحديث « أول ما يحاسب به العبد الصلاة » « 1 » و « أول ما يقضى فيه الدماء » « 2 » وجمع بينهما بأن أول ما يحكم فيه من المظالم التي بين العباد الدماء . وأول ما يحاسب به العبد من الفرائض البدنية الصلاة . وقيل : أول ما نزل للرسالة : ( يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ) وللنبوة : ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ) فإن العلماء قالوا : قوله تعالى ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ) دال على نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، لأن النبوة عبارة عن الوحي إلى الشخص على لسان الملك بتكليف خاص ، وقوله تعالى : ( يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ، قُمْ فَأَنْذِرْ ) دليل على رسالته صلّى اللّه عليه وسلم ، لأنها عبارة عن الوحي إلى الشخص على لسان الملك بتكليف عام » « 3 » .

--> ( 1 ) نقله السيوطي في الجامع الصغير عن الطبراني ، ولفظه « أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة ، فإن صلحت صلح له سائر عمله ، وإن فسدت فسد سائر عمله » . ( 2 ) رواه البخاري في كتاب الديات ، ولفظه « أول ما يقضى بين الناس في الدماء » . ( 3 ) انظر البرهان في علوم القرآن للزركشي بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ص 206 وما بعدها ج 1