مناع القطان

66

مباحث في علوم القرآن

عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ) ويدل عليه ما رواه الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : « أول ما بدئ به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، ثم حبب اليه الخلاء فكان يأتي حراء فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة رضي اللّه عنها فتزوده لمثلها حتى فجأه الحق وهو في غار حراء ، فجاءه الملك فيه فقال اقرأ ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : فقلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني فقال اقرأ ، فقلت ما أنا بقارئ ، فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ ، فقلت ما أنا بقارئ ، فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ) حتى بلغ ( ما لَمْ يَعْلَمْ ) فرجع بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ترجف بوادره . . . » الحديث . « 1 » 2 - وقيل أن أول ما نزل هو قوله تعالى : ( يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ) لما رواه الشيخان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال : سألت جابر بن عبد اللّه : أي القرآن أنزل قبل ؟ قال : يا أيها المدثر ، قلت : أو اقرأ باسم ربك ؟ قال : أحدثكم ما حدثنا به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إني جاورت بحراء فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي ، فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وشمالي ، ثم نظرت إلى السماء فإذا هو - يعني جبريل - فأخذتني رجفة ، فأتيت خديجة فأمرتهم فدثروني ، فأنزل اللّه ( يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ، قُمْ فَأَنْذِرْ ) . وأجيب عن حديث جابر بأن السؤال كان عن نزول سورة كاملة ، فبين جابر أن سورة المدثر نزلت بكمالها قبل نزول تمام سورة اقرأ ، فإن أول ما نزل منها صدرها - ويؤيد هذا ما في الصحيحين أيضا عن أبي سلمة عن جابر قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه : بينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني

--> ( 1 ) التحنث : التعبد ، وأصله ترك الحنث ، أي الذنب . وغطني : أي ضمني ضما شديدا حتى كان لي غطيط ، وهو صوت من حبست أنفاسه بما يشبه الخنق ، والجهد : بفتح الجيم يطلق على المشقة وعلى الوسع والطاقة وبضمها يطلق على الوسع والطاقة لا غير .