مناع القطان
356
مباحث في علوم القرآن
تفسير الصوفية إذا أريد بالتصوف السلوك التعبدي المشروع الذي تصفو به النفس ، وترغب عن زينة الدنيا بالزهد والتقشف . والعبادة ، فذلك أمر لا غبار عليه إن لم يكن مرغوبا فيه . ولكن التصوف أصبح فلسفة نظرية خاصة لا صلة لها بالورع والتقوى والتقشف ، واشتملت فلسفته على أفكار تتنافى مع الإسلام وعقيدته . وهذا هو الذي نعنيه هنا ، وهو الذي كان له أثره في تفسير القرآن . ويعتبر ابن عربي زعيم التصوف الفلسفي النظري وهو يفسر الآيات القرآنية تفسيرا يتفق مع نظرياته الصوفية سواء كان ذلك في التفسير المشهور باسمه ، أو في الكتب التي تنسب إليه كالفصوص ، وهو من أصحاب نظرية وحدة الوجود . فهو يفسر مثلا قوله تعالى في شأن إدريس عليه السلام : ( وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا 57 - مريم ) بقوله : وأعلى الأمكنة المكان الذي تدور عليه رحى عالم الأفلاك ، وهو فلك الشمس ، وفيه مقام روحانية إدريس . . . ثم يقول : وأما علو المكانة فهو لنا أعني المحمديين ، كما قال تعالى ( وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ 35 - محمد ) في هذا العلو وهو يتعالى عن المكان لا عن المكانة » . ويقول في تفسير قوله تعالى في أول سورة النساء : ( يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ . . . ) اتقوا ربكم : اجعلوا ما ظهر منكم وقاية لربكم ، واجعلوا ما بطن منكم - وهو ربكم - وقاية لكم ، فإن الأمر ذم وحمد ، فكونوا وقاية في الذم ، واجعلوه وقايتكم في الحمد تكونوا أدباء عالمين » « 1 » فهذا التفسير ونظائره يحمل النصوص على غير ظاهرها ، ويغرق في التأويلات الباطنية البعيدة ، ويجر إلى متاهات من الإلحاد والزيغ .
--> ( 1 ) انظر : التفسير والمفسرون صفحة 7 ، 8 . . ج 3