مناع القطان

31

مباحث في علوم القرآن

تبلى ذراته وتفنى أنسجته وخلاياه ما لم يتناول قسطه من الغذاء فجدير بالروح أن يكون لها غذاء يمدها بالطاقة الروحية كي تحتفظ بمقوماتها وقيمها . وليس ببعيد على اللّه تعالى أن يختار من عباده نفوسا لها من نقاء الجوهر وسلامة الفطرة ما يعدها للفيض الإلهي ، والوحي السماوي ، والاتصال بالملإ الأعلى ، ليلقي إليها برسالاته التي تسد حاجة البشر في رقي وجدانه ، وسمو أخلاقه ، واستقامة نظامه ، وهؤلاء هم رسله وأنبياؤه . ولا غرابة في أن يكون هذا الاتصال بالوحي السماوي . فالناس اليوم يشاهدون التنويم المغناطيسي ، وهو يوضح لهم أن اتصال النفس الإنسانية بقوة أعلى منها يحدث أثرا يقرب إلى الافهام ظاهرة الوحي - حيث يستطيع الرجل القوي الإرادة أن يتسلط بإرادته على من هو أضعف منه فينام نوما عميقا ، ويكون رهن اشارته ، ويلقنه ما يريد فيجري على قلبه ولسانه ، وإذا كان هذا فعل الإنسان بالإنسان فما ظنك بمن هو أشد منه قوة ؟ « 1 » . ويسمع الناس الأحاديث المسجلة التي تحملها اليوم موجات الأثير ، عابرة الوهاد والنجّاد ، والسهول والبحار ، دون رؤية ذويها ، بل بعد وفاتهم . وأصبح الرجلان يتخاطبان في الهاتف ، أحدهما في أقصى المشرق ، والآخر في أقصى المغرب ، وقد يتراءيان مع هذا التخاطب ، ولا يسمع الجالسون بجانبهما شيئا سوى أزيز كدوي النحل الذي في صفة الوحي . ومن منا ليس له حديث نفس في يقظته أو منامه يدور في خلده دون أن يرى متكلما أمامه ؟ هذه وغيرها أمثلة تفسر لعقولنا حقيقة الوحي . وقد شاهد الوحي معاصروه ، ونقل بالتواتر المستوفي لشروطه بما يفيد العلم

--> ( 1 ) أنظر النبأ العظيم صفحة ( 75 ) .