مناع القطان
301
مباحث في علوم القرآن
سبحانه لا على قدر مشترك بينه وبين غيره ، فإن كل ما سواه مفتقر إليه نفسه ، فيلزم من وجوده وجود عين الخالق نفسه . » فأدله اللّه على توحيده وما أخبر به من المعاد ، وما نصبه من البراهين لصدق رسله لا تفتقر إلى قياس شمولي أو تمثيلي ، بل هي مستلزمة لمدلولها عينا ، والعلم بها مستلزم للعلم بالمدلول ، وانتقال الذهن منها إلى المدلول بيّن واضح كانتقال الذهن من رؤية شعاع الشمس إلى العلم بطلوعها ، وهذا النوع من الاستدلال بدهي يستوي في إدراكه كل العقول . قال الزركشي : « 1 » « اعلم أن القرآن العظيم قد اشتمل على جميع أنواع البراهين والأدلة ، وما من برهان ودلالة وتقسيم وتحديد شيء من كليات المعلومات العقلية والسمعية إلا وكتاب اللّه تعالى قد نطق به ، لكن أورده تعالى على عادة العرب دون دقائق طرق أحكام المتكلمين لأمرين : أحدهما : بسبب ما قاله : ( وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ 4 - إبراهيم ) الآية والثاني : أن المائل إلى دقيق المحاجة هو العاجز عن إقامة الحجة بالجليل من الكلام ، فإن من استطاع أن يفهم بالأوضح الذي يفهمه الأكثرون لم يتخطّ إلى الأغمض الذي لا يعرفه إلا الأقلون ولم يكن ملغزا ، فأخرج تعالى مخاطباته في محاجة خلقه من أجل صورة تشتمل على أدق دقيق ، لتفهم العامة من جليلها ما يقنعهم ويلزمهم الحجة ، وتفهم الخواص من أثنائها ما يوفي على ما أدركه فهم الخطباء . وعلى هذا حمل الحديث المروي : « إن لكل آية ظهرا وبطنا ولكل حرف حدا ومطلعا » لا على ما ذهب إليه الباطنية ، ومن هذا الوجه كلّ من كان حظه في العلوم أوفر كان نصيبه من علم القرآن أكثر ، ولذلك إذا ذكر تعالى حجة على ربوبيته ووحدانيته أتبعها مرة بإضافته إلى أولي العقل ، ومرة إلى
--> ( 1 ) انظر « البرهان » صفحة 24 وما بعدها ، بتصرف .