مناع القطان

276

مباحث في علوم القرآن

والإنسان مدني بالطبع ، فهو في حاجة إلى غيره ، وغيره في حاجة إليه ، وتعاون الإنسان مع أخيه الإنسان ضرورة اجتماعية يفرضها العمران البشري . وكثيرا ما يظلم الإنسان أخاه بدافع الأثرة وحب السيطرة ، فلو ترك أمر الناس دون ضابط يحدد علاقاتهم ، وينظم أحوال معاشهم ، ويصون حقوقهم . ويحفظ حرماتهم لصار أمرهم فوضى ، ولذا كان لا بد لأي مجتمع بشري من نظام يحكم زمامه ، ويحقق العدل بين أفراده . وبين تربية الفرد وصلاح الجماعة . وشائج قوية لا تنفصم عراها ، فإن هذا يقوم على تلك ، فصلاح الفرد من صلاح الجماعة ، وصلاح الجماعة بصلاح الفرد . وقد عرفت البشرية في عصور التاريخ ألوانا مختلفة من المذاهب والنظريات والنظم والتشريعات التي تستهدف سعادة الفرد في مجتمع فاضل ، ولكن واحدا منها لم يبلغ من الروعة ، والإجلال مبلغ القرآن في إعجازه التشريعي . إن القرآن يبدأ بتربية الفرد ، لأنه لبنة المجتمع ويقيم تربيته على تحرير وجدانه ، وتحمله التبعة . يحرر القرآن وجدان المسلم بعقيدة التوحيد الذي تخلصه من سلطان الخرافة والوهم ، وتفك أسره من عبودية الأهواء والشهوات ، حتى يكون عبدا خالصا للّه ، يتجرد للإله الخالق المعبود ، ويستعلي بنفسه عما سواه ، فلا حاجة للمخلوق إلا لدى خالقه ، الذي له الكمال المطلق ، ومنه يمنح الخير للخلائق كلها . إنه خالق واحد وإله واحد . لا أول له ولا آخر ، قدير على كل شيء ، عليم بكل شيء . محيط بكل شيء ، وليس كمثله شيء . عالم مخلوق خلقه اللّه ، ويرجع إلى اللّه ، ويفنى كما يوجد بمشيئة اللّه ، وهذه أكمل عقيدة في العقل وأكمل عقيدة في الدين . ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، اللَّهُ الصَّمَدُ ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ) ( هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ 3 - الحديد )