مناع القطان
263
مباحث في علوم القرآن
الذي لا يغنى عنه غيره في تماسك الكلمة ، والكلمة في موضعها من الإعجاز في تماسك الجملة ، والجملة في موضعها من الإعجاز في تماسك الآية . وهو معجز في بيانه ونظمه ، يجد فيه القارئ صورة حية للحياة والكون والإنسان وهو معجز في معانيه التي كشفت الستار عن الحقيقة الإنسانية ورسالتها في الوجود . وهو معجز بعلومه ومعارفه التي أثبت العلم الحديث كثيرا من حقائقها المغيبة . وهو معجز في تشريعه وصيانته لحقوق الإنسان وتكوين مجتمع مثالي تسعد الدنيا على يديه . والقرآن - أولا وآخرا - هو الذي صير العرب رعاة الشاء والغنم ساسة شعوب وقادة أمم ، وهذا وحده إعجاز . قال الخطابي في كتابه « 1 » : « فخرج من هذا أن القرآن إنما صار معجزا لأنه جاء بأفصح الألفاظ ، في أحسن نظوم التأليف ، مضمنا أصح المعاني ، من توحيد اللّه وتنزيهه في صفاته ، ودعاء إلى طاعته ، وبيان لمنهاج عبادته ، في تحليل وتحريم ، وحظر وإباحة ، ومن وعظ وتقويم ، وأمر بمعروف ونهي عن منكر ، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق ، وزجر عن مساويها ، واضعا كل شيء منها موضعه الذي لا يرى شيء أولى منه ، ولا يتوهم في صورة العقل أمر أليق به منه ، مودعا أخبار القرون الماضية وما نزل من مثلات اللّه بمن عصى وعاند منهم ، منبئا عن الكوائن المستقبلة في الأعصار الماضية من الزمان - جامعا في ذلك بين الحجة والمحتج له ، والدليل والمدلول عليه ، ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه ، وإنباء عن وجوب ما أمر به ونهى عنه . . ومعلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور ، والجمع بين أشتاتها حتى تنتظم وتتسق ، أمر تعجز عنه قوى البشر ، ولا تبلغه قدرتهم ، فانقطع الخلق دونه ، وعجزوا عن معارضته بمثله » .
--> ( 1 ) هو أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي ، في كتابه « بيان إعجاز القرآن » طبع ضمن ثلاثة رسائل بمطبعة المعارف بتحقيق محمد خلف اللّه ومحمد زغلول سلام ، وانظر « البرهان » للزركشي صفحة 101 وما بعدها ج 2 .