مناع القطان

259

مباحث في علوم القرآن

عن معارضته في معجزته الخالدة - وهي القرآن - وعجز الأجيال بعدهم . والمعجزة : - أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي سالم عن المعارضة . والقرآن الكريم تحدى به النبي صلّى اللّه عليه وسلم العرب ، وقد عجزوا عن معارضته مع طول باعهم في الفصاحة والبلاغة ، ومثل هذا لا يكون إلا معجزا . فقد ثبت أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم تحدى العرب بالقرآن على مراحل ثلاث : - أ - تحداهم بالقرآن كله في أسلوب عام يتناولهم ويتناول غيرهم من الإنس والجن تحديا يظهر على طاقتهم مجتمعين ، بقوله تعالى ( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً 88 - الأسراء ) . « 1 » ب - ثم تحداهم بعشر سور منه في قوله تعالى ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ، قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ، فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ 13 ، 14 - هود ) . ج - ثم تحداهم بسورة واحدة منه في قوله ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ، قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ 38 - يونس ) وكرر هذا التحدي في قوله ( وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ 23 - البقرة ) . ومن عنده إلمام قليل بتاريخ العرب وأدب لغتهم يدرك العوامل السابقة لبعثة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم التي رقت بلغة العرب وهذّبت لسانها وجمعت خير ما في لهجاتها من أسواق الأدب والمفاخرة بالشعر والنثر . حتى انتهى مصب جداول الفصاحة وإدارة الكلام بالبيان في لغة قريش التي نزل بها القرآن ، وما كان عليه العرب من

--> ( 1 ) التحدي إنما وقع للإنس دون الجن ، لأن الجن ليسوا من أهل اللسان العربي الذي جاء القرآن على أساليبه ، وانما ذكروا في قوله تعالى : ( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ ) تعظيما لاعجازه لأنه إذا فرض اجتماع الإنس والجن وظاهر بعضهم بعضا وعجزوا عن المعارضة كان الفريق الواحد أعجز .