مناع القطان

22

مباحث في علوم القرآن

و « الذكر » ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ - 9 - الحجر ) و « التنزيل » ( وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ 192 - الشعراء ) إلى غير ذلك مما ورد في القرآن . وقد غلب من أسمائه : القرآن والكتاب ، قال الدكتور محمد عبد اللّه دراز : « روعي في تسميته قرآنا كونه متلوا بالألسن ، كما روعي في تسميته كتابا كونا مدونا بالأقلام ، فكلتا التسميتين من تسمية شيء بالمعنى الواقع عليه . وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين لا في موضع واحد ، أعني أنه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعا ، أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ، فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المجمع عليه من الأصحاب ، المنقول الينا جيلا بعد جيل على هيئته التي وضع عليها أول مرة ، ولا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر . وبهذه العناية المزدوجة التي بعثها اللّه في نفوس الأمة المحمدية اقتداء بنبيها بقي القرآن محفوظا في حرز حريز ، إنجازا لوعد اللّه الذي تكفل بحفظه حيث يقول : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ) ولم يصبه ما أصاب الكتب الماضية من التحريف والتبديل وانقطاع السند » « 1 » . وبين سر هذه التفرقة بأن سائر الكتب السماوية جيء بها على التوقيت لا التأبيد ، وأن هذا القرآن جيء به مصدقا لما بين يديه من الكتب ومهيمنا عليها ، فكان جامعا لما فيها من الحقائق الثابتة زائدا عليها بما شاء اللّه زيادته ، وكان سائرا مسيرها ، ولم يكن شيء منها ليسد مسده ، فقضى اللّه أن يبقى حجة إلى قيام الساعة ، وإذا قضى اللّه أمرا يسر له أسبابه - وهو الحكيم العليم - وهذا تعليل جيد .

--> ( 1 ) النبأ العظيم - صفحة 12 ، 13 - طبعة دار القلم بالكويت .