مناع القطان
218
مباحث في علوم القرآن
التوفيق بين الرأيين بفهم معنى التأويل بالرجوع إلى معنى ( التأويل ) يتبين أنه لا منافاة بين الرأيين ، فان لفظ التأويل ورد لثلاثة معان : ( الأول ) صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به ، وهذا هو اصطلاح أكثر المتأخرين . ( الثاني ) التأويل بمعنى التفسير ، فهو الكلام الذي يفسر به اللفظ حتى يفهم معناه . ( الثالث ) التأويل : هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام ، فتأويل ما أخبر اللّه به عن ذاته وصفاته هو حقيقة ذاته المقدسة وما لها من حقائق الصفات ، وتأويل ما أخبر اللّه به عن اليوم الآخر هو نفس ما يكون في اليوم الآخر . وعلى هذا المعنى جاء قول عائشة : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده : « سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ، اللهم اغفر لي » يتأول القرآن . تعني قوله تعالى ( فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً 3 - النصر « 1 » ) . فالذين يقولون بالوقف على قوله ( وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ) ويجعلون ( وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) استئنافا ، إنما عنوا بذلك التأويل بالمعنى الثالث ، أي الحقيقة التي يؤول إليها الكلام ، فحقيقة ذات اللّه وكنهها وكيفية أسمائه وصفاته وحقيقة المعاد لا يعلمها إلا اللّه . والذين يقولون بالوقف على قوله ( وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) على أن الواو للعطف وليست للاستئناف ، إنما عنوا بذلك التأويل بالمعنى الثاني أي التفسير ، ومجاهد إمام المفسرين ، قال الثوري فيه : إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به ، فإذا ذكر أنه يعلم تأويل المتشابه فالمراد به أنه يعرف تفسيره .
--> ( 1 ) رواه البخاري ومسلم .