مناع القطان
147
مباحث في علوم القرآن
رسم القرآن ولا شعرة واحدة ، وإنما هو توقيف من النبي وهو الذي أمرهم أن يكتبوه على الهيئة المعروفة بزيادة الألف ونقصانها لأسرار لا تهتدي إليها العقول ، وهو سر من الأسرار خص اللّه به كتابه العزيز دون سائر الكتب السماوية . وكما أن نظم القرآن معجز فرسمه أيضا معجز » . والتمسوا لذلك الرسم أسرارا تجعل للرسم العثماني دلالة على معان خفية دقيقة ، كزيادة « الياء ، في كتابة كلمة « أيد » من قوله تعالى ( وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ - 47 - الذاريات ) إذ كتبت هكذا « بأييد » وذلك للإيماء إلى تعظيم قوة اللّه التي بنى بها السماء . وأنها لا تشبهها قوة على حد القاعدة المشهورة ، وهي : زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى . « 1 » وهذا الرأي لم يرد فيه شيء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى يكون الرسم توقيفيا ، وإنما اصطلح الكتبة على هذا الرسم في زمن عثمان برضا منه ، وجعل لهم ضابطا لذلك بقوله للرهط القرشيين الثلاثة : « إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش ، فإنه إنما نزل بلسانهم » وحين اختلفوا في كتابة « التابوت » فقال زيد : « التابوة » وقال النفر القرشيون « التابوت » وترافعوا إلى عثمان قال : « اكتبوا « التابوت » فإنما أنزل القرآن على لسان قريش » . 2 - وذهب كثير من العلماء إلى أن الرسم العثماني ليس توقيفيا عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولكنه اصطلاح ارتضاه عثمان ، وتلقته الأمة بالقبول ، فيجب التزامه والأخذ به ، ولا تجوز مخالفته . قال أشهب : « سئل مالك : هل يكتب المصحف على ما أحدثه الناس من الهجاء ؟ فقال : لا ، إلا على الكتبة الأولى » رواه أبو عمرو الداني في « المقنع » ثم قال : « ولا مخالف له من علماء الأمة » وقال في موضع آخر : سئل مالك عن الحروف في القرآن مثل الواو والألف ، أترى أن تغير من المصحف إذا وجدا فيه كذلك ؟ قال : لا ، قال أبو عمرو :
--> ( 1 ) انظر مناهل العرفان للزرقاني صفحة 370 وما بعدها ج 1 .