مناع القطان
144
مباحث في علوم القرآن
أن الرأي الثاني الذي يرى أن ترتيب السور باجتهاد الصحابة لم يستند إلى دليل يعتمد عليه . فاجتهاد بعض الصحابة في ترتيب مصاحفهم الخاصة كان اختيارا منهم قبل أن يجمع القرآن جمعا مرتبا ، فلما جمع في عهد عثمان بترتيب الآيات والسور على حرف واحد واجتمعت الأمة على ذلك تركوا مصاحفهم ، ولو كان الترتيب اجتهاديا لتمسكوا بها . وحديث سورتي : الأنفال والتوبة الذي روي عن ابن عباس يدور إسناده في كل رواياته على « يزيد الفارسي » الذي يذكره البخاري في الضعفاء ، وفيه تشكيك في إثبات البسملة في أوائل السور . كأن عثمان كان يثبتها برأيه وينفيها برأيه . ولذا قال فيه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه عليه بمسند الإمام أحمد : إنه حديث لا أصل له » . وغاية ما فيه أنه يدل على عدم الترتيب بين هاتين السورتين فقط « 1 » . أما الرأي الثالث الذي يرى أن بعض السور ترتيبها توقيفي ، وبعضها ترتيبه اجتهادي . فإن أدلته ترتكز على ذكر النصوص الدالة على ما هو توقيفي . أما القسم الاجتهادي فإنه لا يستند إلى دليل يدل على أن ترتيبه اجتهادي . إذ أن ثبوت التوقيفي بأدلته لا يعني أن ما سواه اجتهادي . مع أنه قليل جدا . وبهذا يترجح أن ترتيب السور توقيفي كترتيب الآيات ، قال أبو بكر بن الأنباري : « أنزل اللّه القرآن كله إلى سماء الدنيا ، ثم فرقه في بضع وعشرين ، فكانت السورة تنزل لأمر يحدث ، والآية جوابا لمستخبر ، ويوقف جبريل النبي صلى اللّه عليه وسلم على موضع الآية والسورة ، فاتساق السور كاتساق الآيات والحروف كله عن النبي صلى اللّه عليه وسلم . فمن قدم سورة أو أخرها فقد
--> ( 1 ) وحكي أن البسملة ثابتة لبراءة في مصحف ابن مسعود ، وفي المستدرك للحاكم أن علي بن أبي طالب سئل : « لم لم تكتب في براءة « بسم الله الرحمن الرحيم » ؟ قال : لأنها أمان ، وبراءة نزلت بالسيف » .