محمد عباس الباز
52
مباحث في علم القراءات مع بيان أصول رواية حفص
ما الحكمة في إنزال القرآن على هذه الأوجه ؟ الحكمة في ذلك أن العرب الذين نزل القرآن بلغتهم ، ألسنتهم مختلفة ، ولهجاتهم متباينة ، ويتعذر على الواحد منهم أن ينتقل من لهجته التي درج عليها ، ومرن لسانه على التخاطب بها ، فصارت هذه اللهجة طبيعة من طبائعه ، وسجية من سجاياه ، واختلطت بلحمه ودمه ، بحيث لا يمكنه التغاضي عنها ، ولا العدول إلى غيرها ، ولو بطريق التعلم ، وخصوصا الشيخ الكبير ، والمرأة العجوز ، والغلام والجارية ، والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط . عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه قال : « لقي رسول الله للّه جبريل فقال : يا جبريل إني بعثت إلى أمة أميين فيهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط ، قال يا محمد : إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف » « 1 » . فلو أن الله تعالى كلف العرب مخالفة لهجاتهم والعدول عنها لشق ذلك عليهم ، ولكان ذلك من قبيل التكليف بما لا يدخل تحت الطاقة لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [ البقرة : 286 ] . فاقتضت رحمة الله بهذه الأمة أن يخفف عليها ، وأن ييسر لها حفظ كتابها وتلاوة دستورها ، كما يسر لها أمر دينها ، وأن يحقق لها أمنية نبيها حين سأل جبريل زيادة الأحرف ، لأنه يعلم أن أمته لا تطيق ذلك ، فما زال النبي صلى اللّه عليه وسلم يلح في السؤال حتى أذن له أن يقرئ أمته القرآن على سبعة أحرف ، فكان يقرئ كل قبيلة بما يوافق لغتها ويلائم لسانها « 2 » . « ولعل من الحكمة أيضا أن يكون ذلك معجزة للنبي صلى اللّه عليه وسلم على صدق رسالته ، حيث ينطق صلى اللّه عليه وسلم القرآن بهذه الأحرف السبعة ، وتلك اللهجات المتعددة ، وهو النبي الأمي الذي لا يعرف سوى لهجة قريش » « 3 » .
--> ( 1 ) رواه الترمذي وقال حسن صحيح . ( 2 ) الوافي في شرح الشاطبية . ( 3 ) غاية المريد في علم التجويد .