مصطفى مسلم

66

مباحث في التفسير الموضوعي

ونقول إن هذا الترتيب الموحى به لم يكن جزافا ولا اعتباطا أو عبثا وننزه كلام الباري سبحانه وتعالى عن كل ذلك . كما نقول إن القول بوجود المناسبات أمر يحتمه الاعتقاد بتنزيه كلام اللّه سبحانه وتعالى عن الفوضى والتناقض : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [ النساء : 82 ] . وعلى الباحث أن يبذل قصارى جهده للتعرف على وجه المناسبة بين الآيات ، فإن ظهر له شيء من ذلك فذلك نعمة من اللّه تعالى وفضل عليه ، وله أن يقول به ويظهره خدمة لكتاب اللّه تعالى ، وإن خفي عليه وجه المناسبة فعليه أن يمسك ولا يتكلف ، وينسب علم ما خفي عليه إلى منزل الكتاب الذي أمر بترتيبه على هذا الشكل ، ولا يدرك أسرار كتاب اللّه كلها أحد من البشر قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً [ الفرقان : 6 ] . وسنضرب أمثلة ونماذج على وجوه المناسبات بين الآيات في السورة الواحدة وبين السور المتعددة ، لعلنا نكوّن بعد ذلك فكرة عن الموضوع وبعدها نتخذ موقفا من التأييد أو الرفض . ثالثا - ظهوره وأهم المؤلفات فيه : أول من أظهر علم المناسبات : يعتبر الإمام أبو بكر النيسابوري المتوفى سنة 324 ه أول من أظهر علم المناسبات في بغداد ، وكان يزري على علماء بغداد لجهلهم وجوه المناسبة بين الآيات ، وكان لا يني يقول إذا قرئت عليه الآية أو السورة : لم جعلت هذه الآية إلى جنب هذه ؟ وما الحكمة في جعل هذه إلى جنب هذه السورة ؟ وكذلك أبو بكر ابن العربي المالكي المتوفى سنة 543 ه وتقدمت الإشارة إلى كلامه ضمن كلام البقاعي . كما تجد ذكر المناسبات من خلال تفسيره ( أحكام القرآن ) .