مصطفى مسلم

64

مباحث في التفسير الموضوعي

القرآن كان مرتّبا على هذا الترتيب الكائن في المصحف ، فكيف وكل من له أدنى علم بالكتاب وأيسر حظ من معرفته يعلم علما يقينا أنه لم يكن كذلك ، ومن شك في هذا - وإن لم يكن مما يشك فيه أهل العلم - رجع إلى كلام أهل العلم العارفين بأسباب النزول ، المطلعين على حوادث النبوة ، فإنه يثلج صدره ويزول عنه الريب بالنظر في سورة من السور المتوسطة ، فضلا عن المطولة ، فإنه لا محالة يجدها مشتملة على آيات نزلت في حوادث مختلفة وأوقات متباينة ، لا مطابقة بين أسبابها ، وما نزل فيها في الترتيب ، بل يكفي المقصر أن يعلم أن أول ما نزل اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ وبعده يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ، وينظر أي موضع هذه الآيات والسور في ترتيب المصحف ، وإذا كان الأمر هكذا ، فأي معنى لطلب المناسبة بين آيات نعلم قطعا أنه قد تقدم في ترتيب المصحف ما أنزل اللّه متأخرا ، أو تأخر ما أنزل اللّه متقدما ؟ ! فإن هذا عمل لا يرجع إلى ترتيب نزول القرآن بل إلى ما وقع من الترتيب عند جمعه ممن تصدى لذلك من الصحابة ، وما أقل نفع مثل هذا وأنزر ثمرته وأحقر فائدته ، بل هو عند من يفهم ما يقول ، وما يقال له من تضييع الأوقات وإنفاق الساعات في أمر لا يعود بنفع على فاعله ، ولا على من يقف عليه من الناس . وأنت تعلم أنه لو تصدى رجل من أهل العلم للمناسبة بين ما قاله رجل من البلغاء من خطبه ورسائله وإنشاءاته ، وإلى ما قاله شاعر من الشعراء من القصائد التي تكون تارة مدحا وأخرى هجاء ، وحينا تشبّبا وحينا رثاء وغير ذلك من الأنواع المتخالفة . فعمد هذا المتصدي إلى ذلك المجموع فناسب بين فقره ومقاطعه ثم تكلف تكلفا آخر فناسب بين الخطبة التي خطبها في الحج والخطبة التي خطبها في النكاح ونحو ذلك ، وناسب بين الإنشاء الكائن في العزى والإنشاء الكائن في الهنا وما يشابه ذلك ، لعد هذا المتصدي لمثل هذا مصابا في عقله متلاعبا بأوقاته عابثا بعمره الذي هو رأس ماله . وإذا كان مثل هذا بهذه المنزلة وهو ركوب الأحموقة في كلام البشر فكيف تراه يكون في كلام اللّه سبحانه الذي أعجزت بلاغته بلغاء العرب وأبكمت فصاحته فصحاء عدنان وقحطان .