مصطفى مسلم

11

مباحث في التفسير الموضوعي

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ ، عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ . قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ [ المائدة : 101 - 102 ] . كما ورد عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم النهي عن الاستفسارات التي لا يكون لها واقع عملي في حياة المسلمين . يقول عليه الصلاة والسلام : « إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرّم فحرّم من أجل مسألته » « 1 » . وفي الحديث الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « ذروني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم » « 2 » . وفي الحديث الآخر الصحيح : « إن اللّه تعالى فرض فرائض فلا تضيّعوها وحدّ حدودا فلا تعتدوها وحرّم أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها » « 3 » . والحكمة الإلهية في ذلك - واللّه أعلم - أن انصراف الأمة إلى الأمور النظرية والفرعيات التي لا ترتبط بالأحكام العملية يؤدي إلى الفرقة والنزاع وإلى الجدل العقيم والترف الثقافي ، والأمة الإسلامية أمة جهاد ودعوة وعمل فلا يليق بها مثل هذه المشاغل ، وبخاصة في الصدر الأول وفي مرحلة تأسيس الدولة الإسلامية . بالإضافة إلى ما تقدم فإن إمكانات الصحابة رضوان اللّه عليهم الثقافية واللغوية لم تكن على مستوى واحد في الإدراك والفهم والاستنباط . روى البخاري في صحيحه عن الشعبي عن عدي بن حاتم رضي اللّه عنه قال : أخذ عديّ عقالا أبيض وعقالا أسود حتى كان بعض الليل نظر فلم يستبينا ، فلما أصبح قال : يا رسول اللّه جعلت تحت وسادتي فقال : « إن وسادك إذا لعريض أن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادتك » « 4 » . وكان منهم من لازم الرسول صلى اللّه عليه وسلم ولم يفارقه في سفر ولا حضر ، فاطلع على

--> ( 1 ) رواه البخاري في كتاب الاعتصام : 8 / 142 ، ومسلم في كتاب الفضائل : 7 / 92 . ( 2 ) رواه مسلم في صحيحه في كتاب الفضائل : 7 / 91 . ( 3 ) أخرجه ابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه . انظر : الدر المنثور للسيوطي : 3 / 208 . ( 4 ) صحيح البخاري ، كتاب التفسير : 5 / 156 .