مصطفى مسلم
115
مباحث في التفسير الموضوعي
إنه ما من دابة تدب على الأرض - وهذا يشمل كل الأحياء من حشرات وهوام وزواحف وفقاريات وما من طائر يطير بجناحيه في الهواء - وهذا يشمل كل طائر من طير أو حشرة وغير ذلك من الكائنات الطائرات ، ما من خلق حي في هذه الأرض كلها إلا وهو ينتظم في أمة ، ذات خصائص واحدة ، وذات طريقة في الحياة واحدة كذلك . . . شأنها في هذا شأن أمة الناس ما ترك اللّه شيئا من خلق بدون تدبير يشمله ، وعلم يحصيه ، وفي النهاية تحشر الخلائق إلى ربها فيقضي في أمرها بما يشاء ) « 1 » . إن هذه الكائنات الحية المبثوثة في جنبات الأرض آية بل آيات في الدلالة على خالقها ورازقها وهاديها إلى سبل معايشها وإلى وظائفها . . . ولكن العقول والقلوب الغافلة لا تنظر نظرة التدبر فيما حولها لتهتدي إلى مبدع هذه المخلوقات ومبدع أنظمة حياتها ، بل تريد خارقة مادية كما أرسل الأولون يريدون إنزال كنز من السماء ، أو إتيان اللّه والملائكة قبيلا ، أو تفجير الأنهار خلال ديارهم أو زحزحة الجبال عنهم ، أو رقي النبي صلى اللّه عليه وسلم في السماء لإحضار كتاب من السماء يقرءونه وفيه أسماؤهم آمن يا فلان وآمن يا فلان . أما القلوب المهتدية بنور الحق الباقية على فطرتها السليمة فإن مجرد لفت نظرها إلى ما حولها من الإبداع والانتظام كفيل لإشراق نور الإيمان فيها وتحريكها إلى الخير والصلاح والفلاح . ( د ) ولا يقل اهتمام الآيات الكريمة في مجال الاستدلال بالنبات وعالمه وشؤونه عن عالم الإنسان والحيوان . فهناك أيضا الإبداع ، وهناك النظام وأداء الدور الوظيفي في خضم هذه الحياة . وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ
--> ( 1 ) في ظلال القرآن لسيد قطب : 2 / ( 1080 ) .