مصطفى مسلم
104
مباحث في التفسير الموضوعي
فالقرآن يقرر في آيات كثيرة وجوب الإحسان إلى الوالدين وخفض الجناح لهما ، مثل قوله تعالى : وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً [ الإسراء : 23 - 24 ] . وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ . وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ لقمان : 14 ، 15 ] . بينما الحديث عن حقوق الأولاد لا يأتي إلا لماما وعرضا إما عند الحديث عن نعم اللّه سبحانه وتعالى على الإنسان وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ [ النحل : 72 ] وعند نهي الآباء عن ارتكاب الجرائم والفواحش . . . وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ [ الأنعام : 151 ] . الحكمة في هذا التركيز على جانب والاقتصاد في جانب آخر - واللّه أعلم - هو أن رصيد الفطرة وغريزة الأبوة كافية لحمل الوالدين على العناية بالأولاد وإيفاء حقوقهم كاملة . أما الإحسان إلى الوالدين فهو من الأمور التكليفية ، حيث لا رصيد فطري دافع فكان التأكيد والاهتمام . وهذا هو الشأن فيما نحن بصدده من قضية إثبات وجود الخالق ، وقضية توحيد الخالق ، فإن الإقرار بوجود خالق للكون ، والاعتراف بوجود خالق للإنسان ، وتوجيه العبادة إلى خالق الحياة ، هذا أمر فطري في الإنسان وأمر جبلّي لا يستطيع الفكاك منه ، إن قضية الألوهية - الإقرار بوجود إله - مركوزة في الفطرة الإنسانية بحيث يستحيل اجتثاثها مهما بذلت من جهود لإزالتها ، وإنما كل الذي يجري عليها