العلامة المجلسي

135

بحار الأنوار

" كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين " ( 1 ) وقد بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله وحده وكثره بعد القلة وأعز فئته بعد الذلة ، وإن يرد الله أن يولينا هذا الامر يذلل لنا صعبه ، ويسهل لنا حزنه ، وأنا قابل من رأيك ما كان لله عز وجل رضى وأنت من آمن الناس عندي وأنصحهم لي وأوثقهم في نفسي إن شاء الله . وذكر الشعبي قال : دخلت الرحبة بالكوفة وأنا غلام في غلمان ، فإذا أنا بعلي عليه السلام قائما على صرتين من ذهب وفضة ، ومعه مخفقة ( 2 ) وهو يطرد الناس بمخفقته ، ثم يرجع إلى المال فيقسمه بين الناس ، حتى لم يبق منه شئ ، ثم انصرف ولم يحمل إلى بيته قليلا ولا كثيرا ، فرجعت إلى أبي فقلت : لقد رأيت اليوم خير الناس أو أحمق الناس ، قال : من هو يا بني ؟ قلت : علي بن أبي الطالب أمير المؤمنين رأيته يصنع كذا فقصصت عليه ، فبكى وقال : يا بني بل رأيت خير الناس . وروى محمد بن فضيل ، عن هارون بن عنترة ، عن زاذان قال : انطلقت مع قنبر غلام علي عليه السلام إليه ، فإذا هو يقول : قم يا أمير المؤمنين فقد خبأت لك خبيئا ، قال : وما هو ويحك ؟ قال : قم معي ، فقام فانطلق به إلى بيته فإذا بغرارة ( 3 ) مملوءة من جامات ذهبا وفضة ، فقال : يا أمير المؤمنين رأيتك لا تترك شيئا إلا قسمته فادخرت لك هذا من بيت المال ! فقال علي عليه السلام : ويحك يا قنبر لقد أحببت أن تدخل بيتي نارا عظيمة ، ثم سل سيفه وضربها ( 4 ) ضربات كثيرة ، فانتثرت من بين إناء مقطوع نصفه وآخر ثلثه ونحو ذلك ، ثم دعا بالناس فقال : أقسموه بالحصص ، ثم قام إلى بيت المال فقسم ما وجد فيه ، ثم رأى في البيت أبزار سمل ( 5 ) فقال : وليقسموا هذا ، فقالوا : لا حاجة لنا فيه - وقد كان عليه السلام يأخذ من كل عامل مما يعمل -

--> ( 1 ) سورة البقرة : 249 . ( 2 ) المخفقة : الدرة يضرب بها . وقيل سوط من خشب . ( 3 ) الغرارة - بضم العين - : الجوالق . ( 4 ) أي ضرب الغرارة أو ما فيها من الجامات . ( 5 ) أي ما يصلح به الأثواب السملة من الإبرة ونحوها .