مصطفى مسلم
95
مباحث في إعجاز القرآن
بيانه : أنّا وإن كنا نرى جملة المعنى ومحصوله أنهم جعلوا الجن شركاء وعبدوهم مع اللّه تعالى ، وكان هذا المعنى يحصل مع التأخير حصوله مع التقديم ، فإن تقديم الشركاء يفيد هذا المعنى ، ويفيد معه معنى آخر وهو أنه ما كان ينبغي أن يكون للّه شريك لا من الجن ولا غير الجن ، وإذا أخّر فقيل : جعلوا الجن شركاء للّه ، لم يفد ذلك ولم يكن فيه شيء أكثر من الإخبار عنهم ، بأنهم عبدوا الجن مع اللّه تعالى ، فأما إنكار أن يعبد مع اللّه غيره وأن يكون له شريك من الجن وغير الجن فلا يكون في اللفظ مع تأخير الشركاء دليل عليه ، وذلك أن التقدير يكون مع التقديم أن ( شركاء ) مفعول أول لجعل و ( للّه ) في موضع المفعول الثاني ، ويكون ( الجن ) على كلام ثان وعلى تقدير أنه كأنه قيل : فمن جعلوا شركاء للّه تعالى فقيل : الجن ، وإذا كان التقدير في ( شركاء ) أنه مفعول أول و ( للّه ) في موضع المفعول الثاني ، وقع الإنكار على كون شركاء اللّه تعالى على الإطلاق من غير اختصاص شيء دون شيء . وحصل من ذلك أن اتخاذ الشريك من غير الجن قد دخل في الإنكار ، دخول اتخاذه من الجن لأن الصفة إذا ذكرت مجرّدة غير مجراة على شيء كان الذي يعلق بها من النفي عاما في كل ما يجوز أن تكون له الصفة . فإذا قلت : ما في الدار كريم ، كنت نفيت الكينونة في الدار عن كل من يكون الكرم صفة له ، وحكم الإنكار أبدا حكم النفي . وإذا أخّر فقيل : وجعلوا الجن شركاء للّه ، كان ( الجن ) مفعولا أول والشركاء مفعولا ثانيا . وإذا كان كذلك كان الشركاء مخصوصا غير مطلق من حيث كان محالا أن يجري خبرا على الجن ، ثم يكون عاما فيهم وفي غيرهم ، وإذا كان كذلك احتمل أن يكون القصد بالإنكار إلى الجن خصوصا أن يكونوا شركاء دون غيرهم ، جلّ اللّه وتعالى عن أن يكون له شريك وشبيه بحال . وجعلوا الجن شركاء للّه وما ينبغي أن يكون للّه شريك لا من الجن ولا من غيرهم فقام التقديم والتأخير مقام الكلام السابق ) .