مصطفى مسلم
93
مباحث في إعجاز القرآن
استولت عليه وأخذت في طرفيه ووسطه ، وتقول : اشتعلت النار في البيت ، فلا يفيد ذلك ، بل لا يقتضي أكثر من وقوعها فيه ، وإصابتها جانبا منه ، فأما الشمول وأن تكون قد استولت على البيت وابتزته فلا يعقل من اللفظ البتة ) « 1 » . ( ونظير هذا في التنزيل قوله عزّ وجلّ : وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً [ القمر : 12 ] التفجير للعيون في المعنى ، وأوقع على الأرض في اللفظ ، كما أسند هناك الاشتعال إلى الرأس ، وقد حصل بذلك من معنى الشمول هاهنا مثل الذي حصل هناك ، وذلك أنه قد أفاد أن الأرض قد كانت صارت عيونا كلها ، وأن الماء قد كان يفور من كل مكان منها ، ولو أجري اللفظ على ظاهره ، فقيل : وفجّرنا عيون الأرض ، أو العيون في الأرض ، لم يفد ذلك ، ولم يدل عليه ، ولكان المفهوم منه أن الماء قد كان فار من عيون متفرقة في الأرض ، وتبجس من أماكن منها . واعلم أن في الآية الأولى شيئا آخر من جنس النظم ، وهو تعريف الرأس بالألف واللام وإفادة معنى الإضافة من غير إضافة ، وهو أحد ما أوجب المزية ، ولو قيل : واشتعل رأسي ، فصرح بالإضافة لذهب بعض الحسن فاعرفه . . ) « 2 » . ومن أمثلة عبد القاهر الجرجاني على حذف المفعول للعناية بنفس الفعل : ( وإن أردت أن تزداد تبيينا لهذا الأصل - أعني وجوب أن تسقط المفعول لتتوفر العناية على إثبات الفعل لفاعله ولا يدخلها شوب - فانظر إلى قوله تعالى : وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ ( 23 ) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ [ القصص : 23 ، 24 ] . ففيها حذف مفعول في أربعة مواضع ، إذ المعنى : وجد عليه أمة من الناس
--> ( 1 ) دلائل الإعجاز ص 132 - 133 . ( 2 ) « دلائل الإعجاز » ص 133 - 134 ، ط مكتبة القاهرة .