مصطفى مسلم
76
مباحث في إعجاز القرآن
وكان أبو بكر الصديق ، رضي اللّه عنه ، إذا أغزى جيوشه عرّفهم ما وعدهم اللّه ، من إظهار دينه ، ليثقوا بالنصر ويستيقنوا بالنجح . وكان عمر بن الخطاب ، رضي اللّه عنه ، يفعل كذلك في أيامه ، حتى وقف أصحاب جيوشه عليه ، فكان سعد بن أبي وقاص ، رحمه اللّه ، وغيره من أمراء الجيوش ، من جهته ، يذكر ذلك لأصحابه ، ويحرّضهم به ، ويوثق لهم ؛ وكانوا يلقّون الظفر في متوجّهاتهم ، حتى فتح إلى آخر أيام عمر ، رضي اللّه عنه ، إلى بلخ ، وبلاد الهند ، وفتح في أيامه مرو الشاهجان ، ومروالرّوذ ، ومنعهم من العبور إلى جيحون ، وكذلك فتح في أيامه فارس إلى إصطخر ، وكرمان ، ومكران ، وسجستان ، وجميع ما كان من مملكة كسرى ، وكل ما كان يملكه ملوك فارس ، بين البحرين من الفرات إلى جيحون ، وأزال ملك ملوك الفرس ، فلم يعد إلى اليوم ولا يعود أبدا ، إن شاء اللّه تعالى ، ثم إلى حدود إرمينية ، وإلى باب الأبواب . وفتح أيضا ناحية الشام ، والأردنّ ، وفلسطين ، وفسطاط مصر ، وأزال ملك قيصر عنها ، وذلك من الفرات إلى بحر مصر ، وهو ملك قيصر . وغزت الخيول في أيامه إلى عمّورية ، فأخذ الضواحي كلها ، ولم يبق منها إلا ما حجز دونه بحر ، أو حال عنه جبل منيع ، أو أرض خشنة ، أو بادية غير مسلوكة . وقال اللّه عزّ وجلّ : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ ( 12 ) [ آل عمران : 12 ] ، فصدق فيه . وقال في أهل بدر : وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ [ الأنفال : 7 ] ، ووفى لهم بما وعد . وجميع الآيات التي يتضمنها القرآن ، من الإخبار عن الغيوب ، يكثر جدّا ، وإنما أردنا أن ننبه بالبعض على الكل . والوجه الثاني : أنه كان معلوما من حال النبي صلى اللّه عليه وسلم ، أنه كان أميّا لا يكتب ، ولا يحسن أن يقرأ .