مصطفى مسلم
72
مباحث في إعجاز القرآن
تعالجان نوعا من الوعورة ، فكان اجتماع الأمرين في نظمه مع نبوّ كل واحد منهما على الآخر فضيلة خصّ بها القرآن ، يسرّها اللّه بلطيف قدرته من أمره ، ليكون آية بينة لنبيه ، ودلالة على صحة ما دعا إليه من أمر دينه ) « 1 » . فهذه المزايا في نظم القرآن الكريم هي التي أعجزت العرب عن الإتيان بمثله أو بمثل أقصر سورة منه ، ( لذا انقطع الخلق دونه وعجزوا عن معارضته بمثله أو مناقضته في شكله . ثم صار المعاندون له ممن كفر به وأنكره يقولون مرة إنه شعر لما رأوه كلاما منظوما ، ومرة سحر إذ رأوه معجوزا عنه غير مقدور عليه ، وقد كانوا يجدون له وقعا في القلوب وقرعا في النفوس يريبهم ، فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعا من الاعتراف ، ولذلك قال قائلهم إن له حلاوة وإن عليه طلاوة . . ) « 2 » . وهكذا نجد الخطابي قد استوعب ما قاله سابقوه في وجه الإعجاز وعمّق مفهوم النظم القرآني بهذه التقسيمات . بالإضافة إلى ما تعرض له في كتابه في الرد على الصرفة والقائلين بها ، وما أورده من وجوه أخرى في الإعجاز وإن لم يرتضها كالقول بالإعجاز الغيبي لأن جميع سور القرآن لا تشتمل على إخبار بالغيب ، وقد جعل كل سورة من القرآن معجزة قائمة بذاتها . ثم يذكر من وجوه الإعجاز ما قال عنه : ( إن الناس قد ذهبوا عنه فلا يكاد يعرفه إلا الشاذ من آحادهم وهو صنيعه بالقلوب وتأثيره في النفوس ، فإنك لا تسمع كلاما غير القرآن منظوما أو منثورا إذا قرع السمع خلص له إلى القلب - من اللذة والحلاوة في الحال ، ومن الروعة والمهابة في أخرى - ما يخلص من القرآن إليه ، تستبشر به النفوس ، وتنشرح له الصدور ، حتى إذا أخذت حظها منه عادت مرتاعة ، وقد عراها الوجيب والقلق وتغشاها
--> ( 1 ) انظر « بيان إعجاز القرآن » للخطابي ، ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن ، ص 26 . ( 2 ) المرجع السابق ص 28 .