مصطفى مسلم

55

مباحث في إعجاز القرآن

بما يغمر القرائح ، وأنهضها بما يبهر الألباب القوارح ، من غرائب نكت يلطف مسلكها ، ومستودعات أسرار يدق مسبكها : علم التفسير ، الذي لا يقوم لتعاطيه وإجالة النظر فيه ، كل ذي علم ، كما ذكر الجاحظ في كتاب « نظم القرآن » . . فالفقيه وإن برز على الأقران في علم الفتاوى والأحكام ، والمتكلم وإن بزّ أهل الدنيا في صناعة الكلام ، وحافظ القصص والأخبار وإن كان من « ابن القرية » أحفظ ، والواعظ وإن كان من « الحسن البصري » أوعظ ، والنحوي وإن كان أنحى من سيبويه ، واللغوي وإن علك اللغات بقوة لحييه ، لا يتصدّى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق ، ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن ، وهما : علم المعاني ، وعلم البيان . . . . . وتمهل في ارتيادهما آونة ، وتعب في التنقير عنهما أزمنة ، وبعثته على تتبع مظانّهما همّة في معرفة لطائف حجة اللّه ، وحرص على استيضاح معجزة رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ، وكان مع ذلك مسترسل الطبيعة منقادها ، مشتعل القريحة وقّادها ، يقظان النفس داركا للمحة وإن لطف شأنها ، منتهيا على الرمزة وإن خفي مكانها ) « 1 » . ويقول - في تفسير قوله تعالى : يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً ( 22 ) [ الفرقان : 22 ] : يَوْمَ يَرَوْنَ منصوب بأحد شيئين : إما بما دل عليه لا بشرى ، أي يوم يرون الملائكة يمنعون البشرى أو يعدمونها ويومئذ للتكرير ، وإما بإضمار اذكر : أي اذكر يوم يرون الملائكة ) ، ثم قال : لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ( وقوله للمجرمين إما ظاهر في موضع ضمير ، وإما لأنه عام فقد تناولهم بعمومه حِجْراً مَحْجُوراً ذكره سيبويه في باب المصادر غير المتصرفة المنصوبة بأفعال متروك إظهارها ، نحو معاذ اللّه وقصدك اللّه ، وعمرك اللّه ، وهذه كلمة كانوا يتكلمون بها عند لقاء عدوّ موتور أو هجوم نازلة أو نحو ذلك يضعونها موضع الاستعاذة ، قال سيبويه : ويقول الرجل للرجل أتفعل كذا وكذا فيقول : حجرا وهي :

--> ( 1 ) انظر مقدمة « الكشاف » ص 17 .