مصطفى مسلم
47
مباحث في إعجاز القرآن
هو سرّ الإعجاز فيه . فمثلا يقول : في التعليق على قوله تعالى : في وصف خمر أهل الجنة لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ : ( هاتان الكلمتان جمعتا جميع عيوب خمر أهل الدنيا ) ، وقوله عزّ وجلّ حين ذكر فاكهة أهل الجنة لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ : ( جمع بهاتين الكلمتين جميع تلك المعاني ) . إلا أن كتاب الجاحظ « نظم القرآن » لم يصل إلينا وإنما بقيت الإشارة إليه من خلال كتاباته ، وكتابات غيره من الأدباء . ونهج الأدباء الذين جاءوا بعد الجاحظ نهجه في الكشف عن المعاني الدقيقة والإشارات اللطيفة في آيات القرآن الكريم ، وألفوا رسائل في نظم القرآن . فمن هؤلاء الذين ألفوا على غرار الجاحظ أبو بكر عبد اللّه بن أبي داود السّجستاني المتوفى سنة 316 ه حيث ألّف كتابا وسماه « نظم القرآن » . وكذلك أبو زيد البلخي أحمد بن سليمان المتوفى سنة 322 ه وسمى كتابه « نظم القرآن » أيضا . كذلك أبو بكر أحمد بن علي المعروف بابن الإخشيد المعتزلي المتوفى سنة 326 ه وسمى كتابه أيضا « نظم القرآن » . وقد تعرض العلماء إلى وجوه إعجاز القرآن من خلال كتبهم المختلفة حول الدراسات القرآنية ، فنجد الإمام أبا محمد عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة الدّينوري المتوفى سنة 276 ه قد تصدى للطاعنين في القرآن بشكل عام والمنكرين لإعجازه بشكل خاص في كتابه الجليل « تأويل مشكل القرآن » ففنّد مزاعمهم . وكان يمثل إمامة أهل السنّة والجماعة في طبقة الأدباء كما كان يمثل الجاحظ طبقة الأدباء من المعتزلة . يقول ابن قتيبة في أول كتابه « تأويل مشكل القرآن » : الحمد للّه الذي نهج لنا سبل الرشاد وهدانا بنور القرآن ولم يجعل له عوجا ، بل نزله قيّما مفصّلا بيّنا ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد . . . وقطع بمعجز التأليف أطماع الكائدين وأبانه بعجيب النظم عن حيل المتكلمين ، وجعله متلوّا لا يملّ على طول التلاوة ، ومسموعا لا تمجّه الآذان ، وغضّا لا يخلق على كثرة الترداد ، وعجيبا لا تنقضي عجائبه ،