مصطفى مسلم

36

مباحث في إعجاز القرآن

يقول السهيلي في الروض الأنف : ( . . . إن التكذيب بالآيات من نحو ما سألوه من إزالة الجبال عنهم ، وإنزال الملائكة ، يوجب في حكم اللّه ألا يلبث الكافرين بها وأن يعاجلهم بالنقمة كما فعل بقوم صالح وبآل فرعون ، فلو أعطيت قريش ما سألوه من الآيات وجاءهم بما اقترحوا ثم كذّبوا لم يلبثوا ، ولكن اللّه أكرم محمدا صلى اللّه عليه وسلم في الأمة التي أرسله إليهم ، إذ قد سبق في علمه أن يكذّب به من يكذب ويصدّق من يصدّق ، وابتعثه رحمة للعالمين برّ وفاجر ، أما البرّ فرحمته إياهم في الدنيا والآخرة ، وأما الفاجر فإنهم أمنوا من الخسف والغرق وإرسال حاصب عليهم من السماء كذلك قال بعض أهل التفسير في قوله تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ( 107 ) [ الأنبياء : 107 ] « 1 » . وإلى هذه الحكمة تشير الآية الكريمة عند صرف القوم عن المعجزات المادية إلى معجزة القرآن الكريم في قوله تعالى : وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 50 ) أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 51 ) [ العنكبوت : 50 - 51 ] . إن في هذا الصرف رحمة اللّه بهم ليدخل بعضهم في الإسلام أو يخرج من أصلابهم من تتفتّح بصيرته لنور الحق والهداية . مراحل التحدي والقدر المعجز من القرآن : قبل ذكر أقوال العلماء في القدر المعجز من القرآن لا بد من نظرة سريعة على مراحل التحدّي بالقرآن والتدرج فيه ، لكي نصل من خلال هذا التدرج إلى المطلوب من البحث . فبعد أن صدع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بدعوته في بطحاء مكة ، ودعا الناس

--> ( 1 ) الروض الأنف 2 / 50 .