مصطفى مسلم

24

مباحث في إعجاز القرآن

على الخلق كافة ، إن هذا الكلام كلام رب العالمين ، وإن الرسول الذي أرسل به يبلّغ عن ربه ، وإن الأوامر والنواهي التي يحملها هي سبيل النجاة . وكذلك الشأن في جميع معجزات الأنبياء السابقين ، هو إبراز صدق من ظهرت على يديه ، ليؤمن بهم الناس ويتبعوهم ، وذلك لأن بعثة النبي لا تصح من غير أن يؤتى دلالة ويؤيّد بآية ، لأنه لا يتميز من الكاذب بصورته ، ولا بقول نفسه ولا بشيء آخر ، سوى البرهان الذي يظهر على يديه فيستدلّ به على صدقه ، وأنه مبلّغ عن اللّه سبحانه وتعالى « 1 » وإصدار اللّه لها عند ذلك يعدّ تأييدا منه له في تلك الدعوى ، ومن المحال على اللّه سبحانه وتعالى أن يؤيد الكاذب . فإن تأييد الكاذب تصديق له ، وتصديق الكاذب كذب ، وهو محال على اللّه سبحانه وتعالى ، فمتى ظهرت المعجزة وهي مما لا يقدر عليه البشر ، وقارن ظهورها دعوى النبوة ، علم بالضرورة أن اللّه ما أظهرها إلا تصديقا لمن ظهرت على يديه ، وإن كان هذا العلم قد يقارنه الإنكار مكابرة « 2 » ، ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ( 79 ) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَ يَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 80 ) [ آل عمران : 79 ، 80 ] .

--> ( 1 ) « إعجاز القرآن » للباقلاني ، ص 63 . ( 2 ) « رسالة التوحيد » للشيخ محمد عبده ، ص 86 .