مصطفى مسلم
102
مباحث في إعجاز القرآن
( فأنت ما دمت في القرآن حتى تفرغ منه ، لا ترى غير صورة واحدة من الكمال ، وإن اختلفت أجزاؤها في جهات التركيب ومواضع التأليف ، وألوان التصوير وأغراض الكلام كأنها تفضي إليك جملة واحدة ) « 1 » . وجه الإعجاز عند الرافعي : انطلق الرافعي كما رأينا في حديثه عن الإعجاز من الحروف وأصواتها ، ثم من الحركة الصرفية واللغوية للألفاظ القرآنية المشتملة على تلك الحروف ، حتى ليمكن القول : إن عماد حديثه عن إعجاز النظم الموسيقى يعتمد بالدرجة الأولى على الألفاظ وعلى الجانب الصوتي منها على وجه الخصوص . يقول الرافعي : ( ولو تدبرت ألفاظ القرآن في نظمها لرأيت حركتها الصرفية واللغوية تجري في الوضع والتركيب مجرى الحروف أنفسها فيما هي له من أمر الفصاحة ، فيهيّئ بعضها لبعض ، ويساند بعضها بعضا ، ولن تجدها إلا مؤتلفة مع أصوات الحروف ، مساوقة لها في النظم الموسيقى ، حتى إن الحركة ربما كانت ثقيلة لسبب من أسباب الثقل أيا كان ، فلا تعذب ولا تساغ وربما كانت أوكس النصيبين في حظ الكلام من الحرف والحركة ، فإذا هي استعملت في القرآن رأيت لها شأنا عجيبا ، ورأيت أصوات الأحرف والحركات التي قبلها قد امتهدت لها طريقا في اللسان واكتنفتها بضروب من النغم الموسيقى ، حتى إذا خرجت فيه كانت أعذب شيء وأورقه ، وجاءت متمكنة في موضعها وكانت لهذا الموضع أولى الحركات بالخفة والروعة ) . ثم يضرب لذلك أمثلة يوضح بها ما ذهب إليه ، فيقول : ( من ذلك لفظة ( النّذر ) جمع نذير ، فإن الضمة ثقيلة فيها لتواليها على النون والذال معا ، فضلا عن جشأة هذا الحرف ونبوّه عن اللسان ، وخاصة إذا جاء
--> ( 1 ) « إعجاز القرآن » للرافعي ، ص 237 .