محمد بن لطفي الصباغ

81

لمحات في علوم القرآن واتجاهات التفسير

وإذا سمع كلام اللّه وتذوقه قاده ذلك إلى الإيمان ان كان من المنصفين ، لأنه لا يسمعه متذوق منصف إلا وينتهي به إلى الإيمان . هذا وقد أيد الواقع التاريخي ذلك ، فقد حدثتنا كتب السيرة انّ مجرد سماع العربي للقرآن كان يوقفه على المعجزة العظمى ، ويحمله ذلك على الايمان . وأدرك ذلك كفار قريش ، فكانوا ينهون عن سماع القرآن ، كما حكى اللّه سبحانه ذلك عنهم : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا : لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ « 1 » . وكانوا يسعون جهدهم للحيلولة بين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبين من يأتي من وفود العرب إلى مكة . ومن ذلك ما جاء في « سيرة ابن هشام » عن اسلام الطفيل بن عمرو الدوسي : ( قدم الطفيل مكة ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بها ، فمشى إليه رجال من قريش ، وكان الطفيل شريفا شاعرا لبيبا . فقالوا له : يا طفيل إنك قدمت بلادنا ، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا « 2 » ، وقد فرق جماعتنا ، وشتت أمرنا ، وإنما قوله كالسحر ، يفرق بين الرجل وبين أبيه ، وبين الرجل وبين زوجته ، وإنما نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا . فلا تكلمنّه ولا تسمعن منه شيئا . قال الطفيل : فو اللّه ما زالوا بي حتى أجمعت ان لا اسمع منه شيئا ، ولا أكلمه ، حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا « 3 » فرقا من أن يبلغني شيء من قوله وأنا لا أريد أن أسمعه . فغدوت إلى المسجد ، فإذا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قائم يصلي عند الكعبة ، فقمت منه قريبا ، فأبى اللّه إلا أن يسمعني بعض قوله ، فسمعت كلاما

--> ( 1 ) سورة فصلت : 26 . ( 2 ) أي اشتد أمره بنا . ( 3 ) الكرسف : القطن .