محمد بن لطفي الصباغ

75

لمحات في علوم القرآن واتجاهات التفسير

اللّه صلى اللّه عليه وسلم في حياته ، وإن سورا متعددة كانت تظل مفتوحة في الوقت الواحد فإذا نزلت آية أو آيات في مناسبة واقعة تواجه واقعا قائما أو تكمل حكما أو تعدله وفق المنهج الحركي الواقعي لهذا الدين أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن توضع في موضعها من سورتها ، وبذلك كانت هناك حكمة في أن تتضمن كل سورة ما تضمنته من الآيات ، وحكمة معينة كذلك في ترتيبها في مواضعها من السورة . ولقد لاحظنا - كما أثبتنا ذلك مرارا في التعريف بالسور - أن هناك « شخصية » خاصة لكل سورة ، وسمات معينة تحدد ملامح هذه الشخصية ، كما أن هناك جوا معينا وظلالا معينة ثم تعبيرات بعينها في السورة الواحدة تؤكد هذه الملامح وتبرز تلك الشخصية ) « 1 » . لما ذا لم ترتب الآيات حسب نزولها ؟ شاءت إرادة اللّه أن يوحي إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم بموضع الآية من السورة كما رأينا ، وأن يجمع على غير ترتيب نزوله ليظل معجزة إلى أبد الآبدين . وفي ذلك يقول الأستاذ محمد المدني في كتابه « المجتمع الاسلامي كما تصوره سورة النساء » : ( لو أنه جمع على حسب ترتيب نزوله لفهم بعض الناس أن آياته خاصة بحوادثها ، أو أنه حلول وقتية للمشكلات التي كانت على عهد الرسول فحسب ، واللّه تعالى يريد كتابه عاما خالدا لا يختص بعصر دون عصر ، ولا بقوم دون قوم . لذلك اقتضت الحكمة بأن يرتب ترتيبا يحقق هذا العموم وهذا الخلود ، ويبتعد عن الترتيب الزمني الذي نزل به لحكمة كانت مناسبة حين نزوله ) « 2 » .

--> ( 1 ) « في ظلال القرآن » 10 / 111 . ( 2 ) نقلا عن كتاب « القرآن والعلم الحديث » لعبد الرزاق نوفل ص 14 .