محمد بن لطفي الصباغ

154

لمحات في علوم القرآن واتجاهات التفسير

وهذا الرأي الذي نرجحه ، وهو الصواب إن شاء اللّه تعالى . وقد اختصّ اللّه بمعرفته كما قال عزّ من قائل : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ . وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ . وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ . وهذا القول يقتضي الوقوف على قوله وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ثم تأتي واو الاستئناف ويبدأ كلام جديد هو : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا . ومما يدل على ذلك ما ذكر ابن قدامة في « روضة الناظر » حيث قال : [ . . . لأنّ في الآية قرائن تدلّ على أنّ اللّه سبحانه متفرّد بعلم المتشابه ، وأن الوقوف الصحيح عند قوله تعالى وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ لفظا ومعنى : أما اللفظ فلأنه لو أراد عطف ( الراسخين ) لقال : ( ويقولون آمنا به ) بالواو . وأما المعنى فلأنه ذمّ مبتغي التأويل ، ولو كان ذلك للراسخين معلوما لكان مبتغيه ممدوحا لا مذموما . ولأنّ قولهم آمَنَّا بِهِ يدل على نوع تفويض وتسليم لشيء لم يقفوا على معناه ، سيما إذا أتبعوه بقولهم كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا فذكرهم ربّهم هاهنا يعطي الثقة به والتسليم لأمره ، وأنّه صدر من عنده كما جاء من عنده المحكم . ولأنّ لفظة ( أمّا ) لتفصيل المجمل . فذكره لها في الذين في قلوبهم زيغ مع وصفه إيّاهم باتباع المتشابه وابتغاء تأويله يدلّ على قسم آخر يخالفهم في هذه الصفة وهم الراسخون .