محمد بن لطفي الصباغ

14

لمحات في علوم القرآن واتجاهات التفسير

العرفان في علوم القرآن » وهو كتاب جليل ، ولكنه لا يخلو من استطراد وتطويل ، وربما اختار في الأمور الخلافية القول المرجوح وترك الراجح ، وان كانت هذه الهنات الهينات لا تسلب الكتاب قدره ولا تحط مؤلفه عن منزلته . والذي يكتب في الأدب يكون حرا في اختيار الموضوع ، حرا في أسلوب عرضه ، يقول ما يشاء ، ويمشي من حيث يشاء ، أما الذي يكتب في موضوع ديني فإنه لا يستطيع أن يخرج فيما يكتب عن الجادة المرسومة ، ولا ان يجدد في الموضوع لأنه دين ، والتجديد فيه رد على صاحبه ، فلم يبق من مجال أمام مؤلفي هذه الكتب الا التفاوت في جودة الفهم وحسن العرض . وليس ذلك سهلا ، وما كل من فهم مسألة استطاع أن يفهمها ، وتبسيط العلم « 1 » ميزة اختص اللّه بها قليلا من العلماء ، أعرف منهم في عصرنا صديقنا بل استاذنا الشيخ عبد الوهاب خلاف ، أول من عبّد للطلبة طريق الوصول إلى علم الأصول ، وسهله ووضحه ، ومنهم صديقنا بل استاذنا أيضا الشيخ شلتوت ، وإذا أنت رأيت معلما يلقي المسألة فلا يفهمها التلاميذ فيستوضحونه فيحاول التوضيح فلا يأتي بأكثر مما قال فاعلم أنه حفظ المسألة وما فهمها أو هو ( بالتعبير الجديد ) ما هضمها . ومن فهم المسألة حقا استطاع أن يفهمها الناس جميعا لأنها تصير ملكا له يتصرف فيها تصرف المالك بملكه . وألفاظ اللغة بين يديه يختار منها ما شاء بإرادته ، فلا يزال يبدل لفظا بلفظ وعبارة بعبارة ، حتى يجد العبارة التي يوصل بها المسألة إلى افهام التلاميذ . كبائع الثياب يأتيك بالثوب لتقيسه ، فإذا وجدته عريضا جاءك بأضيق منه ، وإذا كان طويلا اتاك بأقصر ، حتى تجد الثوب الذي يلائمك ويصلح لك ، ومن الأمثلة على هذا الطراز من المدرسين الشيخ الشعراوي في أحاديثه في التفسير وفي الاعجاز

--> ( 1 ) أي جعله بسيطا بالمعنى العامي لا الفصيح ، لأن البسيط في اللغة هو الواسع المبسوط .